الشيخ محمد النهاوندي

27

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

مِيثاقُ الْكِتابِ والعهد المؤكّد في التّوراة ؛ وهو أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ قولا إِلَّا القول الْحَقَّ والصّدق ، ولا يعملوا عملا إلّا ما وافق أحكام التّوراة ، فلم يقولون للنّاس : إنّ العلائم التي ذكرها اللّه في كتابه تخالف صفات محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وإنّه سيغفر اللّه لنا ذنوبنا ، ويصرّون على العصيان والباطل ، وَ الحال أنّهم دَرَسُوا الكتاب وقرأوا ما فِيهِ من الأحكام ، وعلائم النبيّ ، والعهد المؤكّد على أن يعملوا به ولا يخالفوه ولا يحرّفوه . ثمّ أنّه تعالى بعد العتاب والتّوبيخ وجّه الخطاب إلى هؤلاء المحرّفين الرّاغبين إلى الدّنيا ، ووعظهم بقوله : وَالدَّارُ الْآخِرَةُ والجنّة العالية ، والنّعم الباقية فيها خَيْرٌ وأنفع من أعراض الدّنيا وجمع ما فيها ، ومن الواضح أنّها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويحترزون من الكفر والمعاصي أَ فَلا تَعْقِلُونَ ولا تدركون تلك الخيريّة والاختصاص . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 170 ] وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ( 170 ) ثمّ لمّا مدح اللّه اليهود الذين عملوا بالتّوراة ولم يحرّفوه ، وآمنوا بالنبيّ الامّي ، وعدهم بالثوّاب بقوله : وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ ويعملون بِالْكِتابِ ويلتزمون بجميع ما فيه من الأحكام وعلائم النبي ، ويؤمنون به ، وعملوا بأحكام شريعته وَأَقامُوا الصَّلاةَ التي هي عمدتها ، نعطيهم أجورهم إِنَّا لا نُضِيعُ ولا نبطل أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ وثوابهم . قيل : هم عبد اللّه بن سلام وأضرابه ، فإنّهم تمسّكوا بالتّوراة التي جاء بها موسى عليه السّلام فلم يحرّفوها ، ولم يكتموها ، ولم يتّخذوها مأكلة « 1 » . وقيل : إنّ المراد : امّه محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، والكتاب : القرآن « 2 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 171 ] وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 171 ) ثمّ بيّن اللّه كيفيّة أخذ الميثاق بالعمل بالتّوراة بقوله : وَإِذْ نَتَقْنَا وقلعنا الْجَبَلَ - وهو الطّور - من موضعه ، ورفعناه فَوْقَهُمْ وأوقفناه على رؤوسهم كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وسقيفة - كما عن ابن عبّاس « 3 » - وَظَنُّوا وقوى في نفوسهم أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ وساقط عليهم إن لم يلتزموا بالتّوراة والعمل بما فيها ،

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 3 : 288 ، تفسير روح البيان 3 : 270 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 3 : 270 . ( 3 ) . تفسير الرازي 15 : 45 .