الشيخ محمد النهاوندي

26

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

المختبر ، ويبتليهم بما يوجب تنبّههم بقوله : وَقَطَّعْناهُمْ وشتّتناهم فِي الْأَرْضِ حال كونهم أُمَماً وفرقا متباعدة في العقائد والآراء مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وهم الذين قدّسوا اللّه عن الشّريك والولد ، وآمنوا بجميع الأنبياء وبخاتمهم عن صميم القلب ، عن ابن عبّاس : هم الذين أدركوا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وآمنوا به « 1 » ، وَمِنْهُمْ أناس دُونَ ذلِكَ المقام ؛ وهم الّذين ثبتوا على اليهوديّة وَبَلَوْناهُمْ وعاملناهم معاملة المختبر حالهم بِالْحَسَناتِ الموجبة للشّكر ؛ من العافية ، وسعة الرّزق ، والخصب ، والأمن وَالسَّيِّئاتِ الموجبة للنّدم على الكفر والعصيان ؛ من الأمراض ، والجدب ، والشّدائد لَعَلَّهُمْ بسبب تلك الحوادث المرغّبة للطّاعة المرعبة عن المخالفة والمعصية يَرْجِعُونَ عن الكفر واللّجاج إلى الإسلام والانقياد للّه ورسوله ، ويتوبون إلى اللّه عمّا هم عليه من الطّغيان والعصيان . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 169 ] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 169 ) ثمّ بيّن اللّه سبحانه أنّ الصّلحاء لمّا انقرضوا صار جميع بني إسرائيل على نهج واحد من الكفر والعصيان ، ولم يفد الابتلاء في تربية أكثرهم ورجوعهم إلى الهدى والصلاح بقوله : فَخَلَفَ الصالحون مِنْ بَعْدِهِمْ وغبّ موتهم خَلْفٌ وذريّة طالحة رديئة ؛ وهم الذين كانوا في عصر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله و وَرِثُوا الْكِتابَ الذي جاء به موسى عليه السّلام من أسلافهم وقرأوه ووقفوا على ما فيه من الأحكام والعلوم والتّزهيد من الدّنيا ، وهم مع ذلك يتركون العمل به ويرغبون في جمع الأموال ، بل يَأْخُذُونَ من النّاس عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وحطام هذه الدّنيا الدنيّة ، للحكم بغير الحقّ ، وتحريف كلام اللّه ، وتغيير علائم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله المذكورة في التّوراة وَيَقُولُونَ غرورا وافتراء على اللّه : سَيُغْفَرُ لَنا ذنبنا ذلك ولا يعذّبنا به ، بل وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ من أعراض الدّنيا ومتاع من أمتعتها بجهة الرّشوة والجعل على التّحريف والتّغيير نظير ما أتوا به و مِثْلُهُ في الحرمة يَأْخُذُوهُ أيضا حرصا على الدّنيا وزخارفها ، وإصرارا على العصيان . ثمّ أنكر اللّه عليهم عملهم ذلك ، ووبّخهم على مخالفة حكم التّوراة بقوله : أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 15 : 42 .