الشيخ محمد النهاوندي

11

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قيل : إنّ المراد من الّذين اتّخذوا العجل : هم الّذين أصرّوا على عبادته ولم يتوبوا عنها ؛ كالسامريّ وأضرابه من الّذين اشربوه في قلوبهم ، ومن الغضب : عذاب الآخرة ، ومن الذلّة : الاغتراب والمسكنة الدائمة . روي أنّ موسى عليه السّلام همّ بقتل السامريّ ، فأوحى اللّه إليه : لا تقتله فإنّه سخيّ ، ولكن أخرجه من عندك ، فقال له موسى عليه السّلام : فاذهب من بيننا مطرودا فإنّ لك في الحياة - أي في عمرك - أن تقول لمن أراد مخالطتك جاهلا بحالك : [ لا مساس ، أي ] لا يمسّني أحد « 1 » . وفي ( الكافي ) : عن الباقر عليه السّلام أنّه تلا هذه الآية فقال : « فلا نرى صاحب بدعة إلّا ذليلا ، ولا مفتريا على اللّه وعلى رسوله وأهل بيته إلّا ذليلا » « 2 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 153 إلى 154 ] وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 153 ) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( 154 ) ثمّ أنّه تعالى بعد إظهار الغضب على غير التّائبين من عبدة العجل ، أعلن برحمته على العصاة التّائبين بقوله : وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ كبيرة كانت أو صغيرة ثُمَّ تابُوا منها مِنْ بَعْدِها ما دامت حياتهم باقية وَآمَنُوا بربّهم إيمانا خالصا من شوب الشّرك والنّفاق ، وعملوا بمقتضى الإيمان إِنَّ رَبَّكَ وراء الأعمال السيّئة ، أو التّوبة مِنْ بَعْدِها واللّه لَغَفُورٌ للذّنوب وإن كثرت وجلّت رَحِيمٌ بعبادة التّائبين ، مفيض عليهم بالخيرات الدّنيوية والأخرويّة . ثمّ أنّه تعالى بعد بيان غضب موسى عليه السّلام على عبدة العجل وعمله حاله ، بيّن سكون غضبه ، واعتذار هارون ، وتوبة قومه من عصيانهم وعمله حينه بقوله : وَلَمَّا سَكَتَ وسكن عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ لاعتذار أخيه ، وتوبة قومه أَخَذَ الْأَلْواحَ التي ألقاها حين الغضب من يده ، واستنسخ منها التّوراة وَفِي نُسْخَتِها والكتاب الذي كتبوا منها هُدىً وإرشاد إلى كلّ حقّ وَرَحْمَةٌ وخير عظيم لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ومن عصيانه يتّقون ، ومن عذابه يخافون . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 155 ] وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ ( 155 )

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 247 . ( 2 ) . الكافي 2 : 14 / 6 ، تفسير الصافي 2 : 241 .