الشيخ محمد النهاوندي

12

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ أنّ اللّه تعالى أمر موسى عليه السّلام أن يأتي بسبعين من خيار بني إسرائيل للاعتذار عن عصيان قومهم ، وفي الوقت الذي عيّنه اللّه وَ أن اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ وانتخب منهم سَبْعِينَ رَجُلًا من خيارهم لِمِيقاتِنا والموعد الذي وعدناهم فيه ، ليعتذروا من عبادة قومهم العجل . قيل : إنّ موسى عليه السّلام اختار من كلّ سبط - وكانوا اثني عشر - ستّة رجال ، فزاد اثنان على السّبعين ، فقال موسى عليه السّلام : ليتخلّف منكم رجلان فإنّي أمرت بسبعين ، فتنازعوا فقال : إنّ لمن قعد أجر من خرج ، فقعد كالب ويوشع وذهب موسى عليه السّلام مع الباقين . . عن الرضا عليه السّلام : « أنّ السّبعين لمّا صاروا [ معه ] إلى الجبل قالوا له : إنّك قد رأيت اللّه ، فأرناه كما رأيته ، فقال : إنّي لم أره ، فقالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ « 1 » فاحترقوا عن آخرهم » الخبر « 2 » . وقيل : أخذتهم الرجفة فصعقوا وماتوا . فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ بما أجترأوا على اللّه من طلب الرّؤية ، واحترقوا وماتوا ، وبقي موسى عليه السّلام وحيدا فقال : يا ربّ ، اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل وجئت بهم ، فإن أرجع إليهم وحدي كيف يصدّقوني بما أخبرهم به ؟ قالَ تذكّرا للعفو السّابق لاستجلاب العفو اللّاحق : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ حين مخالفتهم النّهي عن عبادة العجل وَإِيَّايَ حين سألتك الرّؤية . وقيل : إنّه تمنّ لهلاكهم وهلاك نفسه قبل أن يرى ما اري ، لخوفه من تهمة بني إسرائيل بقتلهم . ثمّ استعطف من اللّه بإنكار إهلاكهم عليه مع غاية لطفه وسعة رحمته بقوله : أَ تُهْلِكُنا يا ربّ بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا من سؤالهم رؤيتك إِنْ هِيَ وما هذه الفتنة والبليّة إِلَّا فِتْنَتُكَ وابتلاء من قبلك ؛ حيث إنّك أسمعتهم كلامك فافتتنوا بذلك ، فطمعوا في رؤيتك ، وأنت ممتحن عبادك بالفتن و تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ بحسب خبث ذاته - ضلالته وَتَهْدِي وتثبت على الحقّ مَنْ تَشاءُ - لطيب ذاته - هدايته وثباته ، فلا تزلّ قدمه بفتنتك ، بل يزيد إيمانه أَنْتَ وَلِيُّنا والمدبّر لأمورنا بحكمتك ولطفك لا مدبّر لنا غيرك ، إذن فَاغْفِرْ لَنا ما فرّطنا في جنبك من الخطايا والزّلل وَارْحَمْنا بإفاضة الخيرات علينا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ تغفر الذّنوب وتبدّل السيّئات بالحسنات .

--> ( 1 ) . البقرة : 2 / 55 . ( 2 ) . التوحيد : 424 / 1 ، تفسير الصافي 2 : 241 .