الشيخ محمد النهاوندي

6

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ بيّن سبحانه وجه المماثلة بقوله : خَلَقَهُ اللّه بقدرته الكاملة مِنْ تُرابٍ وسوّى جسده من طين لازب ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ بشرا وحيّا سويّا ، وأراد أن يوجد إنسانا كاملا فَيَكُونُ ويوجد كما أراد من غير ريث ، فإن كنتم عجبتم من خلق عيسى بلا آب ، ولذلك قلتم : إنّه ابن اللّه ، فلا بدّ أن يكون تعجّبكم من خلق آدم أكثر ، وقولكم بأنّه ابن اللّه أولى . فذلك البناء من كيفيّة خلق عيسى هو الْحَقُّ الثابت مِنْ رَبِّكَ لا قول النّصارى فَلا تَكُنْ بعد وحي اللّه إليك مِنَ الْمُمْتَرِينَ في كيفيّة خلق عيسى ، والشّاكّين فيها ، مع أنّه لا يمكن في حقّك الامتراء والشّكّ . فَمَنْ حَاجَّكَ في شأن عيسى وأمّه [ و ] جادلك فِيهِ لجاجا وجهلا بالأقاويل الباطلة والآراء الزّائغة مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بالحقّ وظهور الصّواب من الآيات البيّنات ، وأقمت الحجج عليهم ، فلم يرتدعوا عمّا هم عليه من الغيّ والضّلال فَقُلْ لهم تَعالَوْا وهلمّوا بالرأي والعزيمة نَدْعُ نحن وأنتم أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وتخصيص الأبناء بالذّكر ؛ لأنّهم أعزّ من البنات وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وذكرهنّ لكونهنّ من بعد الأبناء أعزّة الأهل ، ويجعل الإنسان نفسه وقاية لهنّ في المهالك ، وَ ندع وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ إلى المباهلة ، واحضروا حتّى نحمل نفوسنا ، ومن هو بمنزلة الرّوح منّا وألصق بقلوبنا ، على التّوطين للهلاك ثُمَّ نَبْتَهِلْ ونتلاعن فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ وعذابه عَلَى الْكاذِبِينَ منّا ومنكم . في ( العلل ) : عن الجواد عليه السّلام قال : « ولو قال : ( تعالوا نبتهل فنجعل لعنت اللّه عليكم ) لم يجيبوا للمباهلة ، وقد عرف أن نبيّه صلّى اللّه عليه وآله مؤدّ عنه [ رسالته ] وما هو من الكاذبين ، وكذلك عرف النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه صادق فيما يقول ، ولكن أحبّ أن ينصف من نفسه » « 1 » . في شرح قضية المباهلة روي أنّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا أورد الدّلائل على النّصارى ، ثمّ أنّهم أصرّوا على جهلهم ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ اللّه أمرني إن لم تقبلوا الحجّة أن أباهلكم ، فقالوا : يا أبا القاسم ، بل نرجع فننظر في أمرنا ثمّ نأتيك . فلمّا رجعوا قالوا للعاقب « 2 » ، وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ، ما ترى ؟ فقال : واللّه ، لقد عرفتم يا معشر النّصارى أنّ محمّدا نبيّ مرسل ، ولقد جاءكم بالكلام [ الحقّ ] في أمر صاحبكم ، واللّه ما باهل قوم نبيّا قطّ ، فعاش كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم لكان الاستئصال ، فإن أبيتم [ إلّا ] الإصرار على دينكم ، والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرّجل وانصرفوا إلى بلادكم .

--> ( 1 ) . علل الشرائع : 129 / 1 ، عن الإمام الهادي عليه السّلام . ( 2 ) . العاقب : هو من يخلف سيّد القوم في الرتبة ، وهو صاحب الرأي .