الشيخ محمد النهاوندي
50
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الموجب لخسارة الدّنيا والآخرة « 1 » . أقول : إذا كان وجود الإمام مرتبطا بالنّظام الأتمّ - كما أنّ وجود القلب والعقل مرتبط بنظام الجمعيّة الإنسانيّة - كان واجبا على اللّه نصبه ، والدّلالة عليه ، وإيجاب طاعته ، وإلّا لزم خلاف الحكمة واللّطف ، ولا يمكن تفويض تعيينه ونصبه إلى الخلق ؛ لأنّه موجب للاختلاف والفرقة ، ونقض الغرض ، كما وقع ذلك في السّقيفة وفي الصّحابة بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله . وأمّا نهيه صلّى اللّه عليه وآله عن مفارقة الجماعة فلا شبهة في أنّ مقصوده الجماعة التي تكون على الحقّ ، لا كلّ جماعة ، لوضوح أنّ إبراهيم فارق جماعة أهل العالم ، ولم يكن ملوما مذموما ، وبعد دلالة الأدلّة القاطعة على نصب اللّه عليّا عليه السّلام للخلافة تعيّن أنّ الجماعة الذين أمرنا باتّباعهم ، وبالدّخول فيهم ، هم : سلمان ، وأبو ذرّ ، ومقداد ، وعمّار ، وأضرابهم لا الجماعة الذين بايعوا أبا بكر ، ونقضوا البيعة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 106 إلى 107 ] يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) ثمّ بالغ سبحانه في الوعد على الاجتماع ، والوعيد على التفرّق والاختلاف ، بقوله : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ كثيرة بنور الإيمان وضياء الملكات الجميلة وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ كثيرة بظلمة الكفر ، وكدرة الأخلاق السّيّئة . ونصب ( يوم ) إمّا لكونه ظرفا لمتعلّق الجار ، أو لكونه مفعولا ل ( اذكروا ) المقدّر . قيل : يوسم أهل الحقّ ببياض الوجه ، والصّحيفة ، وسعي النّور بين أيديهم وبأيمانهم . وأهل الباطل بأضداد ذلك . وقيل : إنّ بياض الوجه كناية عن الفرح والسّرور بالفوز بالمطلوب ، وسواده كناية عن الخيبة منه ووصول المكروه ؛ كما قال تعالى : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا « 2 » ثمّ بعد بيان سيماء الفريقين من الحسن والقباحة بيّن سبحانه معاملته معهما بقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ يقال لهم توبيخا وتقريعا : أَ كَفَرْتُمْ بالرّسول صلّى اللّه عليه وآله وبدين الإسلام بَعْدَ إِيمانِكُمْ وتصديقكم عن صميم القلب ، واعترافكم لسانا وجنانا بهما ؟ ! عن أبيّ بن كعب : أي في عالم الذّرّ « 3 » .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 76 . ( 2 ) . النحل : 16 / 58 . ( 3 ) . مجمع البيان 2 : 808 .