الشيخ محمد النهاوندي

51

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وقيل : يعني قبل بعثة محمّد صلّى اللّه عليه وآله أو بعد إيمان أسلافكم به « 1 » . وعلى الوجهين الأخيرين يكون العتاب خاصّا بأهل الكتابين . وقيل : أريد خصوص بني قريظة والنّضير . وقيل : عموم أهل البدع من هذه الأمّة « 2 » ، أو المرتدّين في زمان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبعده . عن الثّعلبي في تفسيره : عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : « والذي نفسي بيده ، ليردنّ عليّ الحوض ممّن صحبني أقوام ، حتّى إذا رأيتهم اختلجوا دوني ، فلأقولنّ : أصحابي أصحابي ، فيقال لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنّهم « 3 » ارتدّوا على أعقابهم » « 4 » . وفي روايات كثيرة : ارتدّ النّاس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلّا خمسة « 5 » . وعلى أي تقدير يقال لهم : إذن فَذُوقُوا واطعموا الْعَذابَ في هذا اليوم بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . قيل : إنّ الفصحاء متّفقون على أنّ من المحسّنات البديعيّة أن يكون مطلع الكلام ومقطعه ما تسر به القلوب « 6 » ؛ ولذا بدأ في الآية ببيض الوجوه وختمها بذكر حالهم ، بقوله : وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ بنور الإيمان والطّاعة فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ من جنّته ونعمه مستقرّون ، و هُمْ خاصّة فِيها خالِدُونَ دائمون ، لا يخرجون منها ، ولا يموتون . قيل : في الآية إشعارات بغلبة جانب الرّحمة ؛ حيث ابتدأ فيها بذكر أهل الرّحمة وختمها بهم ، وعبّر عن تعذيب الكفّار بالذّوق ، وعن إثابة المؤمنين بالاستقرار في الرّحمة ، وعلّل العذاب بالكفر المستند إلى أنفسهم ، والثّواب بالرّحمة المضافة إلى ذاته المقدّسة ، ولم يصرّح بخلود الكفّار في العذاب ، مع كونهم خالدين فيه ، وصرّح بخلود أهل الرّحمة فيها . عن القمّي رحمه اللّه ، عن أبي ذرّ رضى اللّه عنه ، قال : لمّا نزلت هذه الآية يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « ترد عليّ أمّتي يوم القيامة على خمس رايات ؛ فراية مع عجل هذه الأمّة ، فأسألهم : ما فعلتم بالثّقلين [ من ] بعدي ؟ فيقولون : أما الأكبر فحرّفناه « 7 » ونبذناه وراء ظهورنا ، وأمّا الأصغر فعاديناه

--> ( 1 ) . مجمع البيان 2 : 808 . ( 2 ) . مجمع البيان 2 : 809 ، تفسير الرازي 8 : 173 . ( 3 ) . في المصدر : بعد إيمانهم . ( 4 ) . مجمع البيان 2 : 809 . ( 5 ) . راجع : رجال الكشي : 8 / 17 و 11 / 24 وفيه : ارتدّ الناس إلّا ثلاثة . ( 6 ) . تفسير الرازي 8 : 172 . ( 7 ) . الظاهر أنه ليس المراد بالتحريف هنا الزيادة والنقصان ، للاجماع على سلامة القرآن الكريم من التحريف بهذا المعنى ، بل لعلّ المراد بالتحريف هنا التأويل الباطل الذي يخرج بالنص القرآني عن معناه الصحيح الموافق لمراده تعالى ، ويؤيد ذلك حديث الإمام الباقر عليه السّلام في مراسلته لسعد الخير والتي جاء فيها : « وكان من نبذهم الكتاب أن