الشيخ محمد النهاوندي

40

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ذلك حاجة تجحف ، أو مرض لا يطيق فيه الحجّ ، أو سلطان يمنعه ، فليمت يهوديّا أو نصرانيّا » « 1 » . روي أنّه لمّا نزل صدر الآية ، جمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أرباب الملل « 2 » ، فخطبهم فقال : « إنّ اللّه كتب عليكم الحجّ فحجّوا » فآمنت به ملّة واحدة ، وهم المسلمون ، وكفرت به خمس ملل ، فنزلت [ الآية ] « 3 » . قيل : لقد حازت الآية الكريمة من فنون الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحجّ ، والتّشديد على تاركه ما لا مزيد عليه ، حيث أوثرت صيغة الخبر الدالّة على التحقّق ، وأبرزت في صورة الجملة الاسميّة الدالّة على الثّبات والاستمرار ، على وجه يفيد أنّه حقّ واجب للّه تعالى في ذم النّاس ، لا انفكاك لهم عن أدائه والخروج عن عهدته . وسلك بهم أوّلا مسلك التعميم ، ثم التّخصيص والإبهام ثانيا ، ثمّ التّبيين والإجمال ثالثا ، ثمّ التّفصيل ، لما في ذلك من مزيد تحقيق وتقرير ، وعبّر عن تركه بالكفر ، وجعل جزاءه استغناءه تعالى المؤذن بشدّة المقت وعظيم السّخط ، لا من تاركه فقط - فإنّه قد ضرب عنه صفحا ، إسقاطا له عن درجة الاعتبار ، واستهجانا بذكره - بل من جميع العالمين ممّن فعل وترك ، ليدلّ على نهاية شدّة الغضب « 4 » . روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، قال : « حجّوا قبل أن لا تحجّوا ، فإنّه قد هدم البيت مرّتين ، ويرفع إلى السّماء في الثالثة » . وروي عنه صلّى اللّه عليه وآله ، قال : « حجّوا قبل أن يمنع البرّ جانبه » « 5 » . وعن ابن مسعود رضى اللّه عنه : حجّوا هذا البيت قبل أن ينبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابّة إلّا نفقت « 6 » . وروي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، قال : « لو ترك النّاس الحجّ عاما واحدا ما نوظروا » « 7 » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 98 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ( 98 ) ثمّ أنّه تعالى بعد ما أزال الشّبهات ، ونبّه على ما في البيت من الآيات البيّنات ، وجحد أهل الكتاب جميعها ، أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بأن يلومهم على ذلك بلسان ليّن ، بقوله : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ وحفّاظ التّوراة والإنجيل لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحججه التي أقامها على صدق نبيّه صلّى اللّه عليه وآله ، وشرافة بيته ؟ ولأيّ سبب وداع تجحدونها بعد عرفانكم بها ، وعلمكم بصحّتها ، ووضوح صدق محمّد ، وشرف الكعبة

--> ( 1 ) . الكافي 4 : 268 / 1 ، التهذيب 5 : 17 / 49 ، تفسير الصافي 1 : 334 . ( 2 ) . في تفسير أبي السعود : أهل الأديان كلهم . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 2 : 62 . ( 4 ) . تفسير أبي السعود 2 : 62 . ( 5 ) . تفسير أبي السعود 2 : 62 . ( 6 ) . تفسير أبي السعود 2 : 62 . ( 7 ) . جوامع الجامع : 64 .