الشيخ محمد النهاوندي
41
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
بدلالتها ؟ وَاللَّهُ العظيم الغالب الشّديد العقاب شَهِيدٌ ومطّلع عَلى ما تَعْمَلُونَ من القبائح ، وما يصدر منكم من جحود آياته ، ومعارضة رسوله ، فيجازيكم أسوأ الجزاء ، ويعذّبكم في الآخرة أشدّ العذاب . فاطّلاعه على أعمالكم ، والخوف من عقوبته على عصيانكم من أقوى الزّواجر وأتمّ الرّوادع عمّا تأتونه وترتكبونه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 99 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 99 ) ثمّ أنّه تعالى بعد أمر نبيّه بتوبيخهم على كفرهم وضلالهم ، أمره بتوبيخهم على إضلالهم عباده المؤمنين ، وصدّهم عن سبيله ، بقوله : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ ويا تلاة الصّحف والزّبر المنزلة وغيرها ، جزنا عن اللّوم على ضلالتكم لِمَ تَصُدُّونَ وتصرفون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ودينه الحقّ الموصل إلى السّعادة الأبديّة ؟ وتضلّون عنه بإلقاء الشّبهات والحيل والتسويلات مَنْ آمَنَ بالرّسول ودين الإسلام ، ولم تطلبون لتلك السّبيل و تَبْغُونَها مع كمال استقامتها ، وكونها أقوم السّبل عِوَجاً وانحرافا عن القصد والاستقامة ، وتوهمون أن في تلك السّبيل ميلا عن الحقّ ، وتسعون في صرف النّاس عنها ؟ بسبب تغيير صفات النبيّ وعلائمه المذكورة في الكتب السّماويّة ، وإلقاء شبهة امتناع نسخ دين موسى أو عيسى في قلوب العوامّ ، وتقريب أفضليّة بيت المقدس من الكعبة في الأذهان . وَأَنْتُمْ شُهَداءُ قيل : إنّ المراد : والحال أنّ النّاس يستشهدونكم في القضايا والأمور العظام ، فشأنكم الصّدق وتأدية الحقّ ، لا تضييعه . وقيل : إنّ المعنى : أنّكم شاهدون بأنّ دين الإسلام سبيل الحقّ لا تحوم حولها شانئة الإعوجاج ، وأنّ الصّدّ عنها إضلال عن نهج الحقّ والطريق المستقيم . عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : أي أنتم شهداء على أنّ في التّوراة : أنّ دين اللّه الذي لا يقبل غيره هو الإسلام « 1 » . فمن كان كذلك ، لا يليق به الإصرار على الكفر ، والسّعي في إضلال النّاس . ثمّ أخذ سبحانه في تهديدهم بقوله : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من إضلال النّاس ، وإلقاء الشّبهات في قلوب المؤمنين ، وصدّهم عن سبيل الحقّ ، وكتمان الشّهادة بصفات النبيّ صلّى اللّه عليه وآله . قيل : لمّا كان كفرهم بآيات اللّه بطريق العلانية ، ختمت الآية السّابقة بشهادته تعالى على ما يعملون ، ولمّا كان صدّهم عن سبيل اللّه بطريق الخفية ، ختمت هذه الآية بما يقطع وسائل حيلهم ، عن علمه
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 158 .