الشيخ محمد النهاوندي

37

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

حوله ، لتحصيلهم بهذه الأعمال تكفير الذّنوب ، والثّواب العظيم ، ونفي الفقر ، وسعة الرّزق وَ كونه هُدىً ورشادا إلى رضوان اللّه ومعرفته ؛ لِلْعالَمِينَ لأنّه قبلتهم ومعبدهم . وفيه آيات عجيبة دالّة على عظيم قدرته ، وسعة حكمته ، كما نبّه عليه بقوله : فِيهِ آياتٌ كثيرة بَيِّناتٌ وشواهد واضحات على عظمة قدرته ، كانحراف الطّيور عن موازاته مدى الأعصار ، ومخالطة ضواري السّباع الطيور « 1 » في الحرم من غير تعرّض لها لحرمته ، وقهر اللّه لكلّ جبّار قصده بسوء ، كأصحاب الفيل . وقيل : إنّ المراد من الآيات العديدة هو مَقامُ إِبْراهِيمَ لكونه بمنزلة الآيات الكثيرة ، لظهور شأنه وقوّة دلالته على قدرة اللّه ونبوّة إبراهيم ، وعظمة شأنه وشأن البيت . ثمّ ذكر سبحانه من فضائله وفضائل البيت كونه آمنا ، بقوله : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً من التّعرّض له بحرمته في نفسه ، ولدعاء إبراهيم عليه السّلام بقوله : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً « 2 » قيل : إنّ من سكن مكّة أمن من النّهب والغارة . وقد مرّ في سورة البقرة ذكر روايات دالّة على أنّ المراد كونه آمنا من عذاب الآخرة « 3 » . وفي الحديث : « من مات في أحد الحرمين ، بعث يوم القيامة آمنا » « 4 » . وعنه صلّى اللّه عليه وآله : « الحجون « 5 » والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينشران في الجنّة » « 6 » . وعن ابن مسعود رضى اللّه عنه : وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على ثنيّة « 7 » الحجون ، وليس بها يومئذ مقبرة فقال : « يبعث اللّه تعالى من هذه البقعة ومن هذا الحرم سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر ، يدخلون الجنّة بغير حساب ، يشفع كلّ واحد منهم في سبعين ألفا » « 8 » الخبر . وعنه صلّى اللّه عليه وآله : « من صبر على حرّ مكّة ساعة من نهار ، تباعدت عنه جهنّم مسيرة مائتي عام » « 9 » . ولا يذهب عليك أنّ الأمان من العذاب مختصّ بالعصاة من أهل الإيمان ، لدلالة الأدلّة القطعيّة ، وقيام الضّرورة على أنّ الكفّار ، ومن في حكمهم من منكري الولاية وظالمي آل محمّد عليهم السّلام ، خالدين فيه ، ولو كانوا مدفونين في مكّة أو مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله . وفي ( العلل ) : عن الصادق عليه السّلام أنّه قال لأبي حنيفة : « أخبرني عن قول اللّه : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً أين ذلك من الأرض ؟ » قال : الكعبة قال : « أفتعلم أنّ الحجّاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على

--> ( 1 ) . في النسخة : الصيود ، وما أثبتناه من روح البيان 2 : 67 . ( 2 ) . البقرة : 2 / 126 . ( 3 ) . راجع تفسير الآية . ( 4 ) . تفسير روح البيان 2 : 68 . ( 5 ) . الحجون : جبل بمكّة . ( 6 ) . تفسير روح البيان 2 : 68 . ( 7 ) . الثّنيّة : الطريق في الجبل . ( 8 ) . تفسير روح البيان 2 : 68 . ( 9 ) . تفسير الرازي 8 : 151 .