الشيخ محمد النهاوندي

32

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 93 ] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) ثمّ عطف اللّه سبحانه كلامه المجيد إلى ما كان من محاجّة اليهود والنّصارى . وكان من شبهاتهم واعتراضاتهم على دين الإسلام [ أولا ] : وقوع النّسخ فيه ، مع كونه محالا على اللّه في أحكامه ؛ لرجوعه إلى البداء المستلزم لجهله تعالى بمصالح الأشياء ومفاسدها . وثانيا : أنّ محمّدا يدّعي أنّ دينه دين إبراهيم ، والحال أنّه مغاير له ، حيث إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أحلّ في دين الإسلام لحوم الإبل وألبانها ، مع حرمتهما في دين إبراهيم ، فمن تحليلها يلزم النّسخ والمغايرة . فردّ اللّه عليهم بقوله : كُلُّ الطَّعامِ وكافة المطعومات من المأكولات والمشروبات كانَ في دين إبراهيم حِلًّا ومباحا لجميع النّاس ، و لِبَنِي إِسْرائِيلَ إلى مدّة بعد بعثة موسى بن عمران عليه السّلام . نقل أنّه لمّا نزّل قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ « 1 » الآية ، وقوله : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ إلى قوله ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ « 2 » أنكر اليهود ، وغاظهم ذلك وبرأوا ساحتهم من الظّلم ، وجحدوا بما نطق به القرآن ، وقالوا : لسنا بأوّل من حرّمت عليه تلك المطعومات ، وما هو إلّا تحريم قديم ، كانت محرّمة على نوح وإبراهيم ومن بعده ، وهلّم جرّا حتّى انتهى التّحريم إلينا . وغرضهم تكذيب شهادة اللّه عليهم بالبغي والظّلم ، والصّدّ عن سبيل اللّه ، وأكل الرّبا ، وما عدّد من مساوئهم التي كلّما ارتكبوا منها كبيرة ، حرّم عليهم نوعا من الطّيّبات عقوبة لهم « 3 » . فكذّبهم اللّه وردّهم بأنّ جميع ما يطعمه الإنسان كان حلالا في الأديان السّابقة على دين موسى إِلَّا ما حَرَّمَ يعقوب ، ولقبه إِسْرائِيلَ من لحم الإبل ولبنها ، بسبب النّذر عَلى نَفْسِهِ . روي من طريق العامّة أنّ يعقوب عليه السّلام نذر إن وهب اللّه له اثني عشر ولدا ، وأتى بيت المقدس صحيحا ، أن يذبح آخرهم ، فتلقّاه ملك من الملائكة ، فقال له : يا يعقوب ، إنّك رجل قويّ ، فهل لك في الصّراع ؟ فعالجه فلم يصرع واحدا منهما صاحبه ، فغمزه الملك ، فعرض له عرق النساء من ذلك ، ثمّ قال الملك : أما إنّي لو شيئت أن أصرعك لفعلت ، ولكن غمزتك هذه الغمزة ؛ لأنّك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحا ذبحت آخر ولدك ، فجعل اللّه لك بهذه الغمزة مخرجا من ذلك الذّبح . ثمّ أنّ يعقوب عليه السّلام لمّا قدم بيت المقدس ، أراد ذبح ولده ونسي قول الملك ، فأتاه الملك فقال : إنّما

--> ( 1 ) . النساء : 4 / 160 . ( 2 ) . الأنعام : 6 / 146 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 2 : 64 .