الشيخ محمد النهاوندي

31

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وبالجزاء الجزيل على إنفاقه ، وعلى هذا يلزمه القيام بطاعة اللّه والتجنّب عن معاصيه ، أو التّخلّق بالأخلاق الجميلة . في بيان فضيلة الإنفاق ثمّ رغّب سبحانه في الإنفاق ، وبالغ فيه بقوله : وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ تحبّونه ، أو خبيث تكرهونه ، أو كثير في العلانية ، أو قليل في الخفية فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ حيث إنّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السّماء ، فيجازيكم بحسبه جيّدا كان المال أو رديئا ، قليلا كان أو كثيرا ، خفية كان الإنفاق أو علانية . قيل : فيه غاية التّحذير من بذل الرّديء ، والتّرغيب في بذل الطّيّب ، فإنّ الآخرة هي عالم النّور والبقاء ، فلا وقع فيه للأمور الظلمانيّة . فالوصول إلى المحبوب لا يكون إلّا ببذل المحبوب بنحو محبوب ، من خلوص النيّة ، واستجماع الخصال المرضيّة . روي أنّه لمّا نزلت جاء أبو طلحة فقال : يا رسول اللّه ، إنّ أحبّ أموالي إليّ بئر حاء ؛ وهو ضيعة له في المدينة مستقبل مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله « 1 » . وفي رواية : قال : لي حائط بالمدينة ، هو أحبّ أموالي ، أنا أتصدّق به . وفي رواية : قال : فضعها يا رسول اللّه حيث أراك اللّه ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « بخ بخ ، ذاك مال رابح « 2 » أو رائج ، وإنّي أرى أن تجعلها في الأقربين » فقسّمها في أقاربه « 3 » . وفي رواية : أنّه جعلها بين حسّان بن ثابت وأبيّ بن كعب « 4 » . وروي أنّ زيد بن ثابت جاء عند نزول الآية بفرس له كان تحته ، فجعلها « 5 » في سبيل اللّه ، فحمل عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أسامة ، فوجد [ زيد ] في نفسه ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ اللّه قد قبلها » « 6 » . وعن ( المجمع ) : اشترى عليّ عليه السّلام ثوبا فأعجبه ، فتصدّق به وقال : « سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول : من آثر على نفسه آثره اللّه يوم القيامة بالجنّة ، ومن أحبّ شيئا فجعله للّه ، قال اللّه يوم القيامة : قد كان العباد يكافئون فيما بينهم بالمعروف ، وأنا أكافيك اليوم بالجنّة » « 7 » . وعن الحسين بن عليّ ، وعن الصادق عليهم السّلام أنّهما كانا يتصدّقان بالسّكر ، ويقولان : « إنّه أحبّ الأشياء إلينا ، وقد قال اللّه تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » « 8 » .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 134 ، تفسير روح البيان 2 : 63 . ( 2 ) . في النسخة : رائح . ( 3 ) . مجمع البيان 2 : 792 ، تفسير الرازي 8 : 134 ، تفسير روح البيان 2 : 63 . ( 4 ) . تفسير الرازي 8 : 134 . ( 5 ) . في تفسير الرازي : كان يحبه وجعله . ( 6 ) . تفسير الرازي 8 : 134 . ( 7 ) . مجمع البيان 3 : 792 . ( 8 ) . تفسير الصافي 1 : 328 .