الشيخ محمد النهاوندي

27

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

يُقْبَلَ ذلك الدّين الباطل مِنْهُ أبدا ، ولا يؤجر عليه شيئا وَهُوَ مع ذلك فِي الْآخِرَةِ محسوب مِنَ الْخاسِرِينَ المغبونين ، حيث إنّه ضيّع فطرته السّليمة التي فطر النّاس عليها ، وحرّم على نفسه الثّواب الجزيل الدائم ، والنّعم العظيمة الباقية ، ثمّ اشترى العذاب الشّديد الأبد ، فيدخله من التأسّف والتّحسّر على ما فاته في الدّنيا من الأعمال الصّالحة وحلاوة العبادة ، وعلى ما تحمّله من التّعب والمشقّة في تحصيل الحطام الدّنيوي وتقرير ذلك الدّين الباطل ما لا يتصوّر ولا يعلمه إلا اللّه . في أن ولاية آل الرسول داخلة في الاسلام الحقيقي المرادف للايمان ثمّ اعلم أنّ لفظ الإسلام كان مرادفا للإيمان ، وحقيقته حقيقته ، وهو الإقرار بالشّهادتين ، والتّصديق بجميع ما جاء به النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، عن صميم القلب ، فيدخل فيه ولاية آل الرّسول صلوات اللّه عليهم وخلافة علي والمعصومين من ذرّيّته . فمن أنكر ولايتهم ووجوب طاعتهم ، فقد اختار لنفسه دينار غير الإسلام ، حيث إنّ من أنكر واحدا ممّا جاء به الرّسول يكون كمن أنكر جميعه . نعم ، يكون لمن أقرّ بالشّهادتين ، ولو كان منافقا على الأظهر ، أحكام خاصّة من طهارة الجسد ، واحترام المال ، وجواز المناكحة ، ووجوب غسل ميّته وتكفينه ودفنه ، دون غيرها من الأحكام كحرمة غيبته ، وجواز الاقتداء به ، وإعطائه الزّكاة الواجبة والكفّارات ، وقبول الرّواية والشّهادة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 86 ] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) ثمّ أنّه تعالى - بعد بيان عظمة دين الإسلام ، وأنّه دينه الذي ارتضاه لملائكته وسائر خلقه ، والمبالغة في تهديد المعرضين عنه ، وعدّهم من الخاسرين - بالغ في التوعيد والتّهديد على من خرج عنه بعد دخوله فيه ، وجحده بعد ما أقرّ به ، بقوله استعجابا وإنكارا : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ إلى طريق الحقّ ، ويوّفق للرّشاد بالعنايات الخاصّة قَوْماً ورهطا كَفَرُوا بالرّسول ، وارتدّوا عن دين الإسلام بَعْدَ إِيمانِهِمْ بهما . قيل : هم عشرة رهط ارتدوا بعدما آمنوا ولحقوا بمكّة « 1 » ، وقيل : هم يهود قريظة والنّضير ومن دان بدينهم ، وأنّهم كفروا بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله بعد أن كانوا مؤمنين به قبل مبعثه ، وكانوا يشهدون له بالنّبوّة ، فلمّا بعث صلّى اللّه عليه وآله وجاءهم بالبيّنات والمعجزات كفروا به بغيا وحسدا « 2 » . وكلاهما مرويّ عن ابن عبّاس .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 126 . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 126 .