الشيخ محمد النهاوندي
28
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ بيّن سبحانه ما يوجب استبعاد كفرهم بقوله : وَشَهِدُوا قيل : إنّ المراد وبعد أن شهدوا واعترفوا في مجامع النّاس ومشاهدهم ، أو والحال أنّهم اعترفوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ ودعواه صدق وَجاءَهُمُ من القرآن وسائر المعجزات وخوارق العادات الْبَيِّناتُ والشّواهد الواضحات على صدقه ، بحيث لم يتوهّم في حقّهم الشّبهة فيه ، وفي صحّة دينه ، فكان ارتدادهم من أقبح القبائح ؛ لأنّ زلّة العالم أقبح من زلّة الجاهل ، وكفرهم ورجوعهم عن الإسلام غاية الظّلم على النّفس وَاللَّهُ لا يَهْدِي إلى الحقّ ، ولا يوفّق للخير الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ المتمرّنين على الظّلم ، المصرّين على الفساد ، المنهمكين في الشّهوات ، لغاية خبث ذاتهم ، ورذالة صفاتهم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 87 إلى 88 ] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) ثمّ بالغ سبحانه في التّهديد والوعيد بقوله : أُولئِكَ المرتدّون جَزاؤُهُمْ المقرّر على مقتضى استحقاقهم أَنَّ عَلَيْهِمْ استقرّت لَعْنَةَ اللَّهِ والبعد عن رحمته ، الموجب للحرمان عن النّعم الأخرويّة ، وللعذاب بالنّار وَ عليهم لعنة الْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . قيل : إنّ المراد خصوص المؤمنين منهم ، وقيل : إنّ المراد هو العموم ، حيث إنّ الكفّار أيضا يلعنون في الدّنيا كلّ مبطل كافر ، غير أنّهم يدّعون أنهم أنفسهم مؤمنون محقّون . كما أنّ ظالمي آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله يلعنون ظالميهم ويدّعون أنّهم غيرهم ، حال كونهم خالِدِينَ فِيها قيل : أي مقيمين في اللّعنة ، وعن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : خالدين في جهنّم « 1 » أبدا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ في جهنّم الْعَذابُ الشّديد وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ويمهلون ساعة ، ولا يؤخّرون لحظة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 89 ] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 ) ثمّ دفع اللّه سبحانه توهّم أنّ اللّعنة الدّائمة والعذاب الخالد لكلّ من تلبّس بالكفر والارتداد ، وإن تاب وأسلم بقوله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ورجعوا إلى الإسلام الحقيقي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الكفر والارتداد ، وآمنوا عن صميم القلب وَأَصْلَحُوا قلوبهم وأعمالهم الفاسدة ، فإنّهم تقبل توبتهم ، ويتفضّل عليهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للذّنوب رَحِيمٌ بعباده الصّالحين . عن الصادق عليه السّلام : « نزلت الآيات في رجل من الأنصار يقال له الحارث بن سويد بن الصّامت ، وكان
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 129 .