الشيخ محمد النهاوندي
26
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
للعبادة ، لا إله ولا معبود سواه - وإنّما قدّمه لأنّه الأصل في الدّيانات وَ آمنّا بجميع ما أُنْزِلَ من عند اللّه عَلَيْنا من القرآن والمعارف والعلوم والأحكام . وقيل : إنّ المراد من الضّميرين نفسه المقدّسة ، وإنّما امر أن يعبّر عن نفسه بضمير الجمع لإظهار جلالة قدره ، ورفعة محلّه ، كما هو الدّأب في تكلّم الملوك « 1 » . وإنّما قدّم الإيمان بما انزل إليه على الاعتراف بصدق ما انزل على غيره من قبل ؛ لأنّه المعروف له ، والمبتلى به فعلا . ثمّ شهد بصدق ما انزل على غيره من الأنبياء بقوله : وَ آمنّا بكلّ ما أُنْزِلَ من اللّه عَلى أنبيائه إِبْراهِيمَ وَ ابنيه إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَ ولده يَعْقُوبَ من الصّحف والأحكام والسّنن وَ على الْأَسْباطِ الاثني عشر ؛ حفدة يعقوب ، وفيهم كثير من الأنبياء . وَ آمنّا بكلّ ما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى من التّوراة والإنجيل ، والمعجزات التي ظهرت بأيديهما - وتخصيصهما بالذّكر ، مع كونهما من الأسباط ، لعلوّ شأنهما ، وكون الكلام مع اليهود والنّصارى - وَ بما أوتي النَّبِيُّونَ غير المذكورين مِنْ مواهب رَبِّهِمْ ومليكهم اللّطيف بهم . ولمّا لم يكن فرق بينهم في دلائل صدق النّبوّة ، وشواهد الرّسالة ، فنحن أيضا لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ في الإيمان والتّصديق ، كما فرّق اليهود والنّصارى بينهم ، بأن آمنوا ببعض وكفروا ببعض ؛ وذلك لأنّا للّه منقادون وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ بخلاف أهل الكتابين فإنّهم لهوى أنفسهم متّبعون ، وباللّه مشركون . ثمّ لا يذهب عليك أنّه لا منافاة بين الإيمان بنبوّة الأنبياء السّابقة وصحة دينهم ، وبين الاعتقاد بانقضاء مدّة نبوّتهم ونسخ دينهم ، لوضوح أنّ المراد من الإيمان الاعتراف بصحّة نبوّتهم المؤقتة ، ووجوب الالتزام بدينهم على جميع أممهم . وفي الاقتصار على تصديق الأنبياء السّابقين إشعار بختم النّبوّة والدّين به صلّى اللّه عليه وآله وبدينه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 85 ] وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 85 ) ثمّ قرّر سبحانه كون الإسلام دين اللّه دون غيره ، بتشديد التّهديد على مخالفته والتّديّن بغيره ، بقوله : وَمَنْ يَبْتَغِ ويختار لنفسه غَيْرَ دين الْإِسْلامِ الذي قد سبق أنّ حقيقته التّوحيد الخالص ، والتّسليم لأحكام اللّه وطلب مرضاته دِيناً ينتحل إليه ، كالوثنيّة واليهوديّة والنّصرانيّة وغيرها فَلَنْ
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 58 .