الشيخ محمد النهاوندي

19

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ لمّا كانت الخيانة نقض عهد اللّه ، وإنكار أخذ الأمانة مستلزما للأيمان الكاذبة غالبا ، هدد اللّه عليهما بقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ويستبدلون بِعَهْدِ اللَّهِ وميثاقه ، [ سواء ] كان على الإيمان بالرّسول أو الوفاء بالأمانات أو غيرهما وَأَيْمانِهِمْ الكاذبة ، سواء كانت على إنكار أخذ الأمانة ، أو على أنّهم يؤمنون بالرّسول وينصرونه . ويأخذون بعوض الوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، وبرّ اليمين ثَمَناً وبدلا قَلِيلًا من متاع الدّنيا ، والرّئاسات الباطلة . أُولئِكَ المتخلّقون بتلك الأخلاق الذّميمة ، المتّصفون بتلك الصّفات القبيحة لا خَلاقَ ولا نصيب لَهُمْ من النّعم والرّحمة فِي الْآخِرَةِ والدار الباقية وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ بما يسرّهم ، أو بكلام أصلا ، وإنّما يقع ما يقع من السّؤال والتقريع والتّوبيخ في أثناء الحساب ، من الملائكة . وقيل : إنّ المراد أنّهم لا ينتفعون بكلمات اللّه وألطافه ، وقيل : إنّ الجملة كناية عن شدّة الغضب والسّخط « 1 » . وَلا يَنْظُرُ اللّه إِلَيْهِمْ بنظر الرّحمة والرّأفة يَوْمَ الْقِيامَةِ لغاية سقوطهم وهوانهم وَلا يُزَكِّيهِمْ ولا يطهّرهم من أوساخ الأوزار ، ودنس الذّنوب ، كما يطهّر المذنبين من المؤمنين وَلَهُمْ بحسب الاستحقاق عَذابٌ بالنّار أَلِيمٌ وموجع في الغاية . روي أنّها نزلت في أبي رافع ، ولبابة بن الحقيق ، وحيي بن أخطب ، حرّفوا التّوراة ، وبدّلوا نعت الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وأخذوا الرّشوة على ذلك « 2 » . وقيل : نزلت في الأشعث بن قيس ، حيث كان بينه وبين رجل نزاع في بئر ، فاختصما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فقال له : « شاهداك ، أو يمينه » فقال الأشعث : إذن يحلف ولا يبالي . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « من حلف على يمين يستحق بها مالا ، هو فيها فاجر ، لقي اللّه وهو عليه غضبان » « 3 » . وقيل : نزلت في رجل أقام سلعة في السّوق ، فحلف لقد اشتراها بما لم يكن اشتراها به « 4 » . والجمع بين الرّوايات أنّ جميع الوقائع لاقترانها كان شأن النّزول . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 78 ] وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 78 )

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 105 . ( 2 و 3 و 4 ) . تفسير أبي السعود 2 : 51 .