الشيخ محمد النهاوندي
20
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ لمّا ذكر سبحانه أنّهم نقضوا عهد اللّه بخيانتهم في أموال النّاس ، ذكر أنّهم نقضوا عهده بخيانتهم في التّوراة التي هي أعظم ودائع اللّه في خلقه ، وتحريفهم إيّاها ، بقوله : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً وطائفة ككعب بن أشرف وحيي بن أخطب وأضرابهما يَلْوُونَ ويفتلون أَلْسِنَتَهُمْ عند التّلفّظ بِالْكِتابِ المنزل عليهم ، وحين قراءة آياته الدّالّة على نعوت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بتغيير الحركات والإعراب ، وكيفيّة تأدية الحروف بحيث يوجب تحريف كلام اللّه ، وتغيير مدلوله المنزل إلى المحرّف لِتَحْسَبُوهُ وتتوهّموه أنّه بالنّحو الذي يقرأونه مِنَ جملة الْكِتابِ المنزل ، وَ الحال أنّه ما هُوَ مِنَ جملة ذلك الْكِتابِ في نفس الأمر ، وفي اعتقادهم ، وَ مع ذلك يَقُولُونَ بالصّراحة ، لا بالكناية والتّعريض لمحرّفهم : هُوَ الكتاب المنزل مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حتّى في اعتقادهم وَيَقُولُونَ بهذه النّسبة عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ والافتراء تجرّيا وغرورا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنّهم كاذبون مفترون ، وفيه تسجيل عليهم بالتعمّد في الكذب . عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : أنّ النّفر الّذين لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ، ولا ينظر إليهم ، كتبوا كتابا شوّشوا فيه نعت محمّد صلّى اللّه عليه وآله وخلطوه بالكتاب الذي كان فيه نعت محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، ثمّ قالوا : هذا من عند اللّه « 1 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 79 إلى 80 ] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ( 79 ) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 80 ) ثمّ لمّا كان كذب أهل الكتاب غير مختصّ باللّه وتحريفهم بنعوت محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، بل كانوا يكذبون ويفترون على أنبيائهم ويحرّفون كلماتهم ، كافتراء النّصارى على عيسى بأنّه كان يدّعي الالوهيّة ، ويأمر النّاس بعبادة نفسه ، نزّه اللّه تعالى أنبياءه عن هذه الأباطيل ، ردّا على المفترين ، بقوله : ما كانَ صالحا لِبَشَرٍ بلغ في كمال القوّة النظريّة والعمليّة إلى أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ ويهبه الْكِتابَ الناطق بالحقّ ، الآمر بالتّوحيد ، النّاهي عن الشّرك وَ أن يؤتيه الْحُكْمَ قيل : هو كناية عن الفهم والعلم والسّنن ، وَ أن يهبه النُّبُوَّةَ الّتي هي منصب إلهي للنفوس الكاملة الطّيّبة الزّكيّة كي يقوموا بهداية الخلق وتعليمهم وتربيتهم ثُمَّ يَقُولَ ذلك البشر ، مع كونه في مرتبة البشريّة المنافية للالوهيّة ، وبعد ما شرّفه اللّه بما ذكر من التّشريفات ، وعرّفه الحقّ ، وأطلعه على شؤونه العالية لِلنَّاسِ كُونُوا
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 107 .