الشيخ محمد النهاوندي
18
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وقيل : إنّ المراد من المأمونين : النّصارى ، ومن الخائنين : اليهود ، لكون الغالب فيهم الخيانة « 1 » . ثمّ ذكر سبحانه علّة خيانتهم بقوله : ذلِكَ العمل القبيح من الخيانة ، وترك أداء الأمانة وشيوعه فيهم ، معلّل بِأَنَّهُمْ قالُوا تعصّبا وعنادا وغرورا : لَيْسَ عَلَيْنا فِي شأن الْأُمِّيِّينَ والعرب الذين ليسوا من أهل العلم والكتاب سَبِيلٌ ومؤاخذة وعتاب من اللّه . روي أنّ اليهود بايعوا رجالا في الجاهليّة ، فلمّا أسلموا طالبوهم بالأموال ، فقالوا : ليس لكم علينا حقّ ؛ لأنّكم تركتم دينكم « 2 » . وَ هم لخبث ذاتهم يَقُولُونَ ويفترون عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ حيث إنّهم كانوا ينسبون هذا القول الباطل إلى التوراة وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنّ هذا القول والنّسبة كذب وفرية . في وجوب ردّ الأمانة ولو إلى الكافر روي أنّه لمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « كذب أعداء اللّه ، ما من شيء كان في الجاهليّة إلّا وهو تحت قدمي ، إلّا الأمانة فإنّها مؤدّاة إلى البرّ والفاجر » « 3 » . أقول : فيه دلالة على وجوب ردّ الأمانة ، ولو إلى الكافر الحربي غير المحترم المال . ويعاضده روايات أخر ، وقد عمل بها الأصحاب ، وادّعي عليه الشّهرة ، ونسب قول أبي الصّلاح - القائل بعدم الوجوب - إلى الشّذود « 4 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 76 ] بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 76 ) ثمّ لمّا كان هذا الافتراء مبنيّا على ادّعائهم أنّهم أبناء اللّه وأحبّاؤه ، ردّ اللّه عليهم بقوله : بَلى عليكم في الأمّيين سبيل ، ولستم أحبّاء اللّه ، إنّما أحبّاؤه كلّ مَنْ أَوْفى وعمل بِعَهْدِهِ وتكاليفه وأحكامه وَاتَّقى الشّرك والخيانة في الأمانة فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ويثيب المتحرّزين عن الخيانة ونقض العهود . عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق ، حتّى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، [ وإذا خاصم فجر ] » « 5 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 77 ] إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 77 )
--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 2 : 50 . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 102 . ( 3 ) . تفسير الرازي 8 : 102 . ( 4 ) . راجع مفتاح الكرامة 6 : 40 ، جواهر الكلام 27 : 124 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 2 : 52 .