الشيخ محمد النهاوندي
622
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
إشعار بكمالها ، حيث عدّها في عداد الرّجال ، حيث قال : ( مَعَ الرَّاكِعِينَ ) ولم يقل : ( مع الرّاكعات ) . وقيل : إنّ المراد بالقنوت : إدامة العبادة ، وبالسّجود : خصوص الصّلاة ، والتّكنّي عنها به ، لكونه أفضل أركانها ، وبالرّكوع : الخشوع والإخبات ( 1 ) . روي أنّها لمّا أمرت بذلك قامت في الصّلاة حتّى تورّمت قدماها « 2 » ، وكذلك روي في حقّ فاطمة عليها السّلام « 3 » كما روي في حقّها كلّ فضيلة كانت لمريم من نزول مائدة الجنّة لها « 4 » ، ومحادثة الملائكة « 5 » ، والاجتهاد في العبادة ، والزّهد في الدّنيا ، وغير ذلك . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 44 ] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) ذلِكَ المذكور من قصّة حنّة وزكريّا ، ومريم وعيسى ، يكون مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ لا طريق لأحد إلى العلم به إلّا الوحي ، ونحن نُوحِيهِ إِلَيْكَ وننزله بوساطة جبرئيل ببيان فيه الإعجاز . ثمّ أنّه تعالى - بعد وضوح انحصار طريق العلم بالقضايا الماضية في قراءة الكتب والسّماع من العالم ، أو المشاهدة ، أو الوحي ، وبداهة كونه صلّى اللّه عليه وآله امّيّا لم يقرأ كتابا ، ولم يصحب عالما - قرّر كون علمه صلّى اللّه عليه وآله بهذه القضايا بالوحي بنفي مشاهدته بقوله : وَما كُنْتَ حاضرا لَدَيْهِمْ حتّى تطّلع على قضاياهم بالمشاهدة ، وما كنت شاهدا إِذْ يُلْقُونَ وحين ينبذون في الماء أَقْلامَهُمْ التي كانوا يكتبون بها التّوراة ، ليقرعوا بها ، وليعلموا أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ويتشرّف بحضانتها وخدمتها ، قيل : اختاروا تلك الأقلام للقرعة تبرّكا بها وَما كُنْتَ حاضرا لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ وحين يتنازعون في شأنها تنافسا في كفالتها ، والتّعهّد للقيام بتدبير أمورها ، وحفظ مصالحها . ويحتمل أن يكون هذا الكلام مسوقا لبيان إظهار نهاية غرابته ، ونهاية اعجوبته . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 45 ] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 )
--> ( 2 ) . تفسير أبي السعود 2 : 35 ، تفسير روح البيان 2 : 33 . ( 3 ) . المناقب / لابن شهرآشوب 3 : 341 ، مقتل الحسين / للخوارزمي 1 : 80 ، ربيع الأبرار / للزمخشري 2 : 104 . ( 4 ) . الدر المنثور 2 : 186 ، البداية والنهاية 6 : 115 ، أمالي الطوسي : 614 - 615 / 1271 و 1272 . ( 5 ) . علل الشرائع 1 : 182 / 21 ، دلائل الإمامة : 80 / 20 .