الشيخ محمد النهاوندي
623
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر اصطفاء مريم بالكمالات النّفسانيّة والكرامات الفائقة ، شرع في بيان قصّة ولادة عيسى بقوله : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ وقد مرّ أنّ المراد خصوص جبرئيل - على ما قيل - : يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ ويسرّ قلبك بالإخبار بِكَلِمَةٍ تامة كائنة مِنْهُ ويفرحك بولد يهبه لك ، بإرادته التّكوينيّة التي يعبّر عنها بكلمة ( كن ) من غير مبادئ عاديّة اسْمُهُ عند اللّه الْمَسِيحُ قيل : هو معرّب مشيخا بالعبريّة ، ومعناه : المبارك « 1 » . والمراد من لفظ الاسم هنا ، ما يحكى عن ذات معيّنة ، ولو كان لقبا وأمّا علمه فهو عِيسَى قيل : هو معرّب إيشوع « 2 » ، وكنيته ابْنُ مَرْيَمَ وهو يكون وَجِيهاً وشريفا فِي الدُّنْيا بمنصب النّبوّة ، ومطاعية النّاس ، وَ في الْآخِرَةِ بالشّفاعة ، وعلوّ الدّرجة في الجنّة ، ومعدودا مِنَ الْمُقَرَّبِينَ عند اللّه ، قيل : فيه إشارة إلى رفعه إلى السّماء « 3 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 46 ] وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 ) ثمّ بشّرها بكمال علمه بقوله : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ بكلمات الأنبياء الجامعة للحكمة والموعظة ، حال كونه طفلا كائنا فِي الْمَهْدِ وَ كونه كَهْلًا بالغا إلى كمال البشريّة ، من غير تفاوت بين الحالين ، وهذا من أعظم معجزاته . بل نقل أنّه قالت مريم : إذا خلوت أنا وعيسى ، حدّثني وحدّثته ، فإذا شغلني عنه إنسان كان يسبّح في بطني وأنا أسمع « 4 » . وفي ذكر أحواله المختلفة إشارة إلى أنّه بمعزل من الالوهيّة . في نقل إنكار النصارى تكلّم عيسى في المهد وردّه قيل : إنّ النّصارى أنكرت تكلّمه في المهد « 5 » ، ولو كانت هذه المعجزة لتواترت بينهم ، وكانوا أحقّ بمعرفتها من غيرهم ، ولا يمكن منهم إخفاؤها مع إفراطهم في محبّته ، حتّى ذهبوا إلى الوهيّته .
--> ( 1 و 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 35 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 2 : 37 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 2 : 35 . ( 5 و 6 ) . تفسير الرازي 8 : 52 .