الشيخ محمد النهاوندي

618

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قيل : إنّ توصيفه بكونه من الصّالحين ، مع أنّ جميع الأنبياء صلحاء ، مشعر بأنّ صلاحه كان أتمّ من صلاح سائر الأنبياء ، فيكون المعنى : أنّه من الصّالحين من بين سائر الأنبياء . وفي الصّلاح ينتظم الخير كلّه . وعن تفسير الإمام عليه السّلام : « ما ألحق اللّه صبيانا برجال كاملي العقول إلّا هؤلاء الأربعة : عيسى بن مريم ، ويحيى بن زكريّا ، والحسن ، والحسين عليهم السّلام » « 1 » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 40 إلى 41 ] قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) ثمّ لمّا كان قول جبرئيل عن اللّه ، وحكاية لقوله ، خاطب زكريّا ربّه و قالَ استبعادا عاديّا ، أو تعجّبا ، أو استفهاما وسرورا بالولد : رَبِّ أَنَّى يَكُونُ وكيف يحصل لِي بحسب العادة غُلامٌ وولد ذكر وَ الحال أنّه قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ في السّنّ ، وأدركني الهرم ؟ قيل : كان له ستّون سنة . وقيل : خمس وستّون . وقيل : سبعون . وقيل : خمس وسبعون . وقيل : خمس وثمانون . وقيل : اثنتان وتسعون . وقيل : تسع وتسعون . وقيل : مائة وعشرون . وفيه إشعار بأنّ كبر السّنّ ، من حيث إنّه طلائع الموت ، طالب للإنسان . ثمّ بعد ذكر قصور نفسه ، ذكر قصور زوجته بقوله : وَامْرَأَتِي عاقِرٌ لم تلد أبدا ، والكبر والعقم منافيان للولادة غاية المنافاة . قيل : كان لزوجته مع عقمها ، ثمان وتسعون سنة « 2 » . قالَ اللّه تعالى ، أو الملك : كَذلِكَ الفعل العجيب من خلق الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ أن يفعله من تعاجيب الأفاعيل الخارقة للعادة . ثمّ نقل أنّه جاء الشّيطان زكريّا عند سماعة البشارة ، فقال : إنّ هذا الصّوت من الشّيطان ، وقد سخر منك ، فلذا اشتبه الأمر على زكريا « 3 » و قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً علامة دالّة على أنّ تلك البشارة من

--> ( 1 ) . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 659 / 374 ، تفسير الصافي 1 : 310 . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 39 . ( 3 ) . تفسير الرازي 8 : 39 .