الشيخ محمد النهاوندي
617
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وقد حبلت ! والآن افتضح في بني إسرائيل لا يشكّون أنّي أحبلتها ، فجاء إلى امرأته وقال لها ذلك ، فقالت : يا زكريّا ، لا تخف ، فإنّ اللّه لا يصنع بك إلّا خيرا ، فآتني مريم حتّى انظر إليها وأسألها عن حالها . فجاء بها زكريّا إلى امرأته ، فكفى اللّه مريم مؤنة الجواب عن السؤال . ولمّا دخلت إلى أختها ، وهي الكبرى ومريم الصّغرى ، لم تقم إليها امرأة زكريّا فأذن اللّه تعالى ليحيى ، وهو في بطن امّه ، فنخس « 1 » بيده في بطنها وأزعجها ، وناداها : يا أمّت ، تدخل إليك سيّدة نساء العالمين ، مشتملة على سيّد رجال العالمين فلا تقومي [ إليها ] ! فانزعجت وقامت إليها ، وسجد يحيى وهو في بطن امّه لعيسى بن مريم ، فذلك كان أوّل تصديقه له ، فلذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الحسن والحسين : « إنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة ، إلّا ما كان من ابني الخالة عيسى ويحيى » « 2 » . وَسَيِّداً فائقا على قومه ، وعلى سائر النّاس في أنّه لم يهمّ بمعصية . روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ما من نبيّ إلّا وقد عصى أو همّ بمعصية ، غير يحيى فإنّه لم يعص ، ولم يهمّ » « 3 » . والمراد بالمعصية ، على تقدير صحّة الرّواية ، هو ترك الأولى . وعن تفسير الإمام [ العسكري عليه السّلام ] : في تفسير ( السيّد ) قال : « رئيسا في طاعة اللّه على أهل طاعته » « 4 » . وعن ابن عبّاس : السيّد : الحليم . وقيل : الفقيه : العالم ، وقيل : المتقدّم المرجوع إليه « 5 » . وَحَصُوراً مبالغا في حبس نفسه عن مشتهياتها مع القدرة عليها . روي أنّه مرّ في صباه بصبيان فدعوه إلى اللّعب ، فقال : ما للّعب خلقت « 6 » . وعن الصادق عليه السّلام في تفسير ( الحصور ) : « هو الذي لا يأتي النّساء » « 7 » . وَنَبِيًّا صالحا معدودا مِنَ الأنبياء الصَّالِحِينَ أو ناشئا منهم ؛ لأنّه كان من أصلاب الأنبياء والصّلحاء .
--> ( 1 ) . نخس الدابة : طعن مؤخرها بعود أو نحوه . ( 2 ) . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 660 . ( 3 ) . تفسير الرازي 8 : 37 . ( 4 ) . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 660 / 374 . ( 5 ) . تفسير الرازي 8 : 36 . ( 6 ) . تفسير أبي السعود 2 : 32 ، تفسير الصافي 1 : 310 . ( 7 ) . مجمع البيان 2 : 742 ، تفسير الصافي 1 : 310 .