الشيخ محمد النهاوندي

603

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

المتعاديين . فلا يجوز أن تتولّوا الكفّار ظاهرا وباطنا في حال من الأحوال إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا وتخافوا مِنْهُمْ وتتحذّروا من شرّهم وضرّهم تُقاةً باطنيّة وحذرا واقعيّا ، فلا بأس بإظهار موالاتهم مع اطمئنان النّفس بعدواتهم وبغضهم ، حتّى يزول مقتضى التّقيّة ، فيجب عند ذلك معاداتهم ظاهرا وباطنا . في وجوب التقية عن ( الاحتجاج ) : عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، في حديث : « وآمرك أن تستعمل التّقيّة في دينك ، فإنّ اللّه يقول : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الآية - إلى أن قال - : وإيّاك ثمّ إيّاك أن تتعرّض للهلاك ، وأن تترك التّقيّة التي أمرتك بها ، فإنّك شائط بدمك « 1 » ودماء إخوانك ، معرّض لنعمك ونعمهم للزّوال ، تذلّهم في أيدي أعداء دين اللّه ، وقد أمرك اللّه بإعزازهم » « 2 » . وعن العيّاشي : عن الصادق عليه السّلام قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول : لا إيمان لمن لا تقيّة له » « 3 » . وعنه عليه السّلام : « التّقيّة ترس اللّه بينه وبين خلقه » « 4 » . وفي رواية : « التّقيّة ديني ودين آبائي » « 5 » . ثمّ أردف اللّه سبحانه النّهي بالتّهديد بقوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ويخوّفكم من سطوته ، كي لا تعصوه فتستحقّوا عقابه . ثمّ أكّد التّهديد والتّحذير بقوله : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ والمنقلب لعامّة الخلق ، فلا يخرج أحد عن سلطانه و [ من ] تحت قدرته . وفي تكرير اسم الجلالة إدخال الرّوعة وتربية المهابة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 29 ] قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 ) ثمّ لمّا أذن سبحانه وتعالى في التّقيّة ، وإظهار الموالاة لهم ، وكان مدارها الخوف القلبي - وهو أمر باطنيّ لا يطّلع عليه أحد ، وقد يجعل مندوحة للمعاشرة والمودّة في الظّاهر ، مع عدم تحقّق خوف منهم في الباطن ، بل الموالاة الباطنيّة صارت منشأ للموالاة الظّاهريّة ، ولكن عند اعتراض المؤمنين

--> ( 1 ) . شاط دمه : أي ذهب هدرا . ( 2 ) . الاحتجاج : 239 ، تفسير الصافي 1 : 302 . ( 3 ) . تفسير العياشي 1 : 297 / 664 ، تفسير الصافي 1 : 302 . ( 4 ) . الكافي 2 : 175 / 19 ، تفسير الصافي 1 : 302 . ( 5 ) . جامع الأخبار : 253 / 657 .