الشيخ محمد النهاوندي

604

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

الصّادقين عليهم ، يعتذرون لهم بالخوف - أمر اللّه سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بإعلام المنافقين المحتالين في موالاتهم بسعة علمه تعالى بالسّرائر كالظّواهر ، بقوله : قُلْ يا محمّد : إِنْ تُخْفُوا أيّها المنافقون ما فِي صُدُورِكُمْ وضمائركم من نيّات السّوء وموالاة الكفّار أَوْ تُبْدُوهُ وتظهروه للنّاس يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويطّلع عليه . فإنّه لا سرّ إلّا وهو عنده تعالى علانيّة ، ولا باطن إلّا وهو عنده ظاهر ، وكيف يخفى عليه سرائركم وَ هو يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخفايا والدّقائق ، فإنّ وجود جميع ما فيها بإفاضته وتدبيره ، فإذا كانت إحاطته بهذه المرتبة من الكمال ، يجب على العباد أن يحذروا من مخالفته في الباطن والسّرّ أيضا ؛ لأنّه يعلمها ويعاقب عليها وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من العقوبة وغيرها قَدِيرٌ وفيه غاية التّهديد والوعيد . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 30 إلى 31 ] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 30 ) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) ثمّ بيّن اللّه تعالى صفة اليوم الذي يكون مصير الخلق فيه إليه ، ويجب على النّاس الحذر منه تعالى فيه ، بقوله : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ من النّفوس المكلّفة ما عَمِلَتْ في الدّنيا مِنْ خَيْرٍ وصالح مُحْضَراً عندها ، أحضره اللّه بصورته المثاليّة التي تكون لذلك العمل في عالم المثل والصّور ، لما حقّق في محلّه من أنّ لكلّ شيء في هذا العالم - ولو كان من الأعراض - صورة جوهريّة في عالم الصّور والمثل المعلّقة ، كما هو مستفاد من كثير من الأخبار . أو المراد إحضاره بوجوده الكتبي في صحيفة الأعمال ، أو بجزائه وآثاره . وَ كذا تجد ما عَمِلَتْ النّفس مِنْ عمل سُوءٍ وقبيح محضرا عندها بصورته الجوهريّة أو بجزائه ، فتضجر وتستوحش منه ، بحيث تَوَدُّ قيل : كأنّه يقال : حال النّفس التي عملت الخير معلوم أنها في سرور وأمن ، فما حال النّفس الشّرّيرة التي عملت السّوء ؟ فقال تعالى : تودّ وتتمنّى تلك النّفس ، حين ترى السّوء لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً وبونا بَعِيداً من سوء المنظر ووخامة