الشيخ محمد النهاوندي

595

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

بقوله : إِنَّ الدِّينَ الحقّ المرضيّ عِنْدَ اللَّهِ من لدن آدم إلى قيام السّاعة هو الْإِسْلامُ والانقياد له ، والالتزام بالتّوحيد الخالص عن شوب الشّرك ، المستلزم للاعتقاد بالمعاد والإيمان بالرّسل والشّرائع ، بالضّرورة من العقل ودلالة الأدلّة القاطعة ، بحيث لا مجال للشّكّ فيه . ففيه دلالة على أنّ أصل الدّين في جميع الأزمنة واحد ، وإنّما الفرق في بعض الفروع والأحكام . ومع ذلك اختلف النّاس فيه ، وأنكروا التّوحيد وتديّنوا بالشّرك وَمَا اخْتَلَفَ فيه اليهود والنّصارى الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من التّوراة والإنجيل ، وما اختاروا الشّرك بقولهم : عزير ابن اللّه ، أو المسيح ابن اللّه ، أو ثالث ثلاثة ، في حال من الأحوال ، أو وقت من الأوقات إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بالتّوحيد ، وصحّة دين الإسلام ، ونبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله . ولم يكن اختلافهم لخفاء الحقّ والشّبهة فيه ، بل كان بَغْياً وحسدا كائنا فيما بَيْنَهُمْ حيث إنّ الاختلاف بعد وضوح الحقّ غايته ، لا يمكن تحقّقه الّا لأجل الأخلاق الذّميمة ، وحبّ الدّنيا والرّئاسة . وفيه غاية التّشنيع ، ودلالة على ترامي حالهم في الكفر والضّلالة . ثمّ هدّد الجاحدين بقوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ الدّالّات على الحقّ ، ويعرض عن الحجج السّاطعة على الصّواب فَإِنَّ اللَّهَ يحاسبه ويجازيه بأشدّ العقاب من غير بطء ومهلة ، حيث إنّه سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسب جميع الخلائق في أقلّ من لمحة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 20 ] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 ) ثمّ أنّه تعالى بعد ظهور لجاج الكفّار وعنادهم ، بحيث لا تنفعهم الحجج ، قال لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله : فَإِنْ حَاجُّوكَ في التّوحيد ، وجادلوك في الحقّ ، وعارضوك في النّبوّة فَقُلْ في جوابهم ، معرضا عنهم : إنّي أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ وأخلصت قلبي ونفسي وشراشر « 1 » وجودي لِلَّهِ وحده لا اشرك في انقيادي [ إليه ] غيره . وَ أسلم له أيضا مَنِ اتَّبَعَنِ وآمن بي واهتدى بهداي وَقُلْ بعد ذلك لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنّصارى وَالْأُمِّيِّينَ الّذين لا علم لهم ولا كتاب ، من مشركي

--> ( 1 ) . الشّراشر : معظم الشيء وجملته .