الشيخ محمد النهاوندي
596
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
العرب ، تقريرا : أَ أَسْلَمْتُمْ بعد وضوح الحقّ ، وتمام الحجّة ، وظهور المعجزات الباهرة ، كما أسلم أتباعي ، أم أقمتم بعد لجاجا وعنادا على كفركم ؟ وفيه تعييرهم على اللّجاج بقلّة الإنصاف ، وتوبيخهم بالبلادة والجهل ، وتهييجهم على الانقياد والتبعية . فَإِنْ أَسْلَمُوا للّه ، والتزموا بالتّوحيد ، واعترفوا بنبوّتك وصحّة دينك فَقَدِ اهْتَدَوْا إلى الحقّ ، وسلكوا الصّراط المستقيم ، وفازوا بالنّجاة من العذاب ، وأصابوا جميع الخيرات وَإِنْ تَوَلَّوْا عن قبول قولك ، وأعرضوا عن الإسلام والإيمان بك ، فليس لك مسؤولية ، وما عليك من تبعة فَإِنَّما الواجب عَلَيْكَ الْبَلاغُ والدّعوة ، وإقامة الحجّة ، وإيضاح الحقّ ، وقد أدّيت ما عليك بما لا مزيد عليه ، وبالغت في تبليغك بلا توان ولا فتور وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ومطّلع على فطرتهم ، وسجيّتهم ، وسوء أخلاقهم ، وقبائح أعمالهم . وفيه غاية التّهديد . روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا قرأ هذه الآية على أهل الكتاب ، قالوا : أسلمنا ، فقال صلّى اللّه عليه وآله لليهود : « أتشهدون أنّ عيسى كلمة اللّه وعبده ورسوله ؟ » فقالوا : معاذ اللّه . وقال صلّى اللّه عليه وآله للنّصارى : « أتشهدون أنّ عيسى عبد اللّه ورسوله ؟ » فقالوا : معاذ اللّه أن يكون عيسى عبدا ، وذلك قوله : وَإِنْ تَوَلَّوْا « 1 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 21 إلى 22 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 22 ) ثمّ اعلم أنّه تعالى بعد تهديد المصرّين على الكفر ، المعرضين عن الإسلام - بنحو الإجمال - هدّدهم بعد بيان خبث ذاتهم ، وشناعة أعمالهم تفصيلا بقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ توحيد اللَّهِ ويجحدون الحقّ ودلائله ، وينكرون نبوّة نبيّه ومعجزاته وَيَقْتُلُونَ لعنادهم الحقّ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ يتصوّر ، ومن غير استحقاق في نظرهم ، كما قتلهم أسلافهم . وروي أنّ نسبة القتل إلى الّذين في عصر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله باعتبار رضاهم بفعل أوائلهم . وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ ويدعون إلى الحقّ والعدل مِنَ النَّاسِ .
--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 2 : 19 ، تفسير روح البيان 2 : 14 .