الشيخ محمد النهاوندي

582

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

يعلمه إلّا اللّه لكان تنزيله لغوا ، لعدم انتفاع أحد به ، تعالى عن ذلك . وَما يَذَّكَّرُ ولا يفهم حقيقة تأويل المتشابهات ، وحكمة نزولها حقّ التّذكّر والتّفهّم أحد إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ وأصحاب العقول السّليمة من غلبة الشّهوات ، وذوو الأفهام المستقيمة الخالصة عن شوائب الأهواء الزائغات . ومن الواضح أنّ هذا المدح الفائق ، والثّناء الرّائق ، لا يليق إلّا بمن يصيب الحقّ ، ويهتدي إلى حقيقة المراد ، ويصل إلى أصل المقصود من كلام الملك العلّام ، بجودة الذّهن ، وإصابة النّظر ، وتنوّر الفكر ، وتجرّد العقل عن غواشي الحسّ والأوهام . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 8 إلى 9 ] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 9 ) ثمّ لمّا كان جميع الخيرات والكمالات حدوثا وبقاء بإفاضة اللّه ولطفه وتوفيقه ، كان على المؤمن اللّبيب أن لا يغترّ بوجدان خير ، ولا يطمئنّ ببقاء كمال ودوام فضيلة ، بل عليه أن يتضرّع إلى اللّه ، ويسأل إدامته منه تعالى . فلذا مدح اللّه الرّاسخين في العلم بأنّهم الّذين يقولون ، تضرّعا واستكانة : رَبَّنا ويا من بلطفه تكميل نفوسنا ، وتوفيق هدايتنا لا تُزِغْ ولا تمل قُلُوبَنا عن نهج الحقّ ، في تأويل المتشابهات وغيره ، إلى الباطل والضّلال بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى الحقّ والصّواب ، في العقائد والأعمال والتّأويل والتّفسير . وقيل : إنّ المراد : لا تبتلنا ببلاء تزيغ منه قلوبنا . روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرّحمن ، إن شاء أقامه على الحقّ ، وإن شاء أزاغه عنه » « 1 » . والظّاهر أنّ كلمة ( الإصبعين ) كناية عن رضا اللّه وغضبه ، أو عن الملك المرشد والشّيطان المغوي ، أو عن التّوفيق والخذلان . ثمّ أنّهم - بعد سؤال أن لا يسلب اللّه عنهم ما ألبسهم من الكمال ، ولا يستردّ ما أعطاهم من العلم

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 2 : 9 .