الشيخ محمد النهاوندي

579

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أَيْدِيهِمْ « 1 » ، وقوله : وَجاءَ رَبُّكَ « 2 » وقوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 3 » لحكم العقل بتنزّه خالق الأجسام والأمكنة عن الجسم والصّورة والمكان والحركة . في معنى المحكم والمتشابه عن الصّادق عليه السّلام أنّه سئل عن المحكم والمتشابه ، فقال : « المحكم : ما يعمل به ، والمتشابه : ما اشتبه على جاهله » « 4 » . والظّاهر أنّ المراد من قوله : ( ما يعمل به ) ما لا يتوقّف العرف في مدلوله ومفاده . وعن ( الكافي ) : عنه عليه السّلام ، في تأويله : « أنّ المحكمات أمير المؤمنين والأئمّة عليهم السّلام ، والمتشابهات فلان وفلان » « 5 » . ثمّ اعلم أنّ تقسيم الكتاب بجعل بعضه محكما وبعضه متشابها ، لا ينافي تسمية كلّه محكما في قوله : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ « 6 » ، وأنّ معناه : أنّه أتقنت مطالبه ، بحيث لا يتوهّم التّناقض فيها ، وحفظت من أن يعتريها الخلل والتّحريف والنّسخ ، ولا توصيف كلّه بالمتشابه في قوله : كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ « 7 » لأنّ معنى المتشابه هنا : المتماثل الآيات في صحّة المعاني ، وجزالة النّظم ، وحقّيّة المدلول . وقد سبق في الطّرفة السّابعة عشرة بيان فوائد كثيرة وحكم وفيرة في جعل كثير من الآيات القرآنية متشابها ، وعدم جعل جميعها محكمات ، من أراد الاطّلاع عليها فليراجعها ، وعمدة حكمها ابتلاء الخلق ، والتمييز بين الثّابت على الحقّ وأهل الزّيغ . فَأَمَّا الَّذِينَ كان فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ وميل عن الحقّ إلى اتّباع الهوى ، وانحراف عن الصّراط المستقيم إلى شعب الضّلال فَيَتَّبِعُونَ من ذلك الكتاب ما تَشابَهَ مِنْهُ ويتمسّكون - لإثبات عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الباطلة - بظاهر آيات مخالف للمحكمات ، أو بمجملات غير ظاهرة الدّلالة ، ويؤوّلونها بالظّنون والاستحسانات ، لا تحرّيا للحقّ وطلبا للصّواب ، بل ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وقصد إلقاء الشّبهات في قلوب ضعفاء العقول والإيمان ، وسعيا في إضلال النّاس عن طريق الحقّ والهدى وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وطلبا لتطبيقه على باطلهم ، وإرجاعه إلى ما هو مشتهى أنفسهم من

--> ( 1 ) . الفتح : 48 / 10 . ( 2 ) . الفجر : 89 / 22 . ( 3 ) . طه : 20 / 5 . ( 4 ) . تفسير العياشي 1 : 292 / 643 ، تفسير الصافي 1 : 295 . ( 5 ) . الكافي 1 : 343 / 14 ، تفسير العياشي 1 : 292 / 642 ، تفسير الصافي 1 : 295 . ( 6 ) . هود : 11 / 1 . ( 7 ) . الزمر : 39 / 23 .