الشيخ محمد النهاوندي

580

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

الخرافات ، وإرجاعه إلى معنى يوافق ما راموه من الكفر ، لحبّ الغلبة على الخصم ، وحفظ الجاه والمال ، كتمسّك الوفد بقوله : إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ « 1 » وبقوله : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ « 2 » لإثبات أنّ عيسى ابن اللّه ، أو ثالث ثلاثة ، مع قصور دلالتهما ومعارضتهما لحكم العقل ومحكم الآيات من قوله : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ « 3 » وقوله : لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ « 4 » و خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ « 5 » . وَ الحال أنّه ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ وحقيقة المراد من المتشابه أحد إِلَّا اللَّهُ العالم بحقائق الأمور وَالرَّاسِخُونَ الثّابتون المتمكّنون فِي الْعِلْمِ المستغرقون في بحر الحكمة والمعرفة ، المقالون بتأييد اللّه عن العثرة في مزالّ الأقدام ، السّالكون بنور الهداية في ظلمات الأهواء والأوهام ، وهم النبيّ وأوصياؤه الكرام . في تعريف الراسخين في العلم عن ( الكافي ) : « الرّاسخون في العلم من لا يختلف في علمه » « 6 » . أقول : الظّاهر أنّ المراد منه من لا يكون علمه عن رأي واجتهاد ، حتى تتغيّر فتواه ويختلف حكمه ، وهم الذين يكون علمهم بإفاضة اللّه وإلهامه ، كالنبيّ وأوصيائه وخلفائه . روي أنّه قال أبو عبد اللّه عليه السّلام لأبي حنيفة : « أنت فقيه أهل العراق ؟ » قال : نعم ، قال : « فبأيّ شيء تفتي ؟ » قال : بكتاب اللّه وسنة نبيّه ، قال : « يا أبا حنيفة ، تعرف كتاب اللّه حقّ معرفته [ و ] تعرف النّاسخ من المنسوخ ؟ » قال : نعم ، قال : « يا أبا حنيفة ، لقد أدّعيت علما ، ويلك ما جعل اللّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الّذين انزل عليهم ، ويلك ما هو إلّا عند الخاصّ من ذرّيّة نبيّنا ، وما ورّثك اللّه من كتابه حرفا » « 7 » . في ( الاحتجاج ) : عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، في حديث قال : « إنّ اللّه جلّ ذكره - لسعة رحمته ، ورأفته بخلقه ، وعلمه بما يحدث المبدّلون ، من تغيير كلامه « 8 » - قسّم كلامه ثلاثة أقسام ؛ فجعل قسما منه يعرفه العالم والجاهل ، وقسما لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه ولطف حسّه وصحّ تميزه ، ممّن شرح اللّه

--> ( 1 ) . آل عمران : 3 / 45 . ( 2 ) . النساء : 4 / 171 . ( 3 ) . مريم : 19 / 35 . ( 4 ) . الإسراء : 17 / 111 . ( 5 ) . الأنعام : 6 / 101 . ( 6 ) . الكافي 1 : 190 / 1 ، تفسير الصافي 1 : 295 . ( 7 ) . علل الشرائع : 89 / 5 ، تفسير الصافي 1 : 22 . ( 8 ) . في الاحتجاج : كتابه .