الشيخ محمد النهاوندي
563
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
قاب قوسين بينهما أو أدنى ، فأوحى اللّه إلى عبده ما أوحى ، فكان فيما أوحى إليه الآية التي في سورة البقرة : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الآية ، وكانت الآية ممّا « 1 » عرضت على الأنبياء - من لدن آدم إلى أن بعث ( تبارك اسمه ) محمّدا صلّى اللّه عليه وآله - وعلى الأمم ، فأبوا أن يقبلوها من ثقلها ، وقبلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وعرضها على امّته فقبلوها » « 2 » . أقول : المراد من الأمّة التي قبلتها أمير المؤمنين عليه السّلام والأوحدي من أصحابه ، لظهور أنّ الّذين شكوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من ثقل الآية ، فقال لهم : « لعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل : سَمِعْنا وَعَصَيْنا * ، قولوا : سمعنا وأطعنا » - على ما في الرّواية السّابقة - لم يكونوا ممّن قبلها ؛ لأنّهم لم يقولوا : سمعنا وأطعنا ، بل روي أنّه أشتدّ ذلك [ عليهم ] ، فمكثوا في ذلك حولا « 3 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 285 ] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 ) ثمّ أنّه تعالى - لمّا بيّن التّكاليف الكثيرة ، ثمّ عقّبها بآية المحاسبة - مدح النبيّ صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين به بكمال الإيمان والسّمع والطّاعة بقوله : آمَنَ الرَّسُولُ حقّ الإيمان بالمشاهدة والعيان ، لا بالدّليل والبرهان بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ من المعارف والحكم والأسرار وحقائق الأشياء التي يمكن تحمّلها ، المنطوية في القرآن المجيد . قيل : إنّه تعالى لمّا بيّن في فاتحة السّورة الكريمة ؛ أنّ الكتاب العظيم الذي أنزله على رسوله ، هدى للمتّقين المتّصفين بالصّفات الفاضلة ، ولم يبيّن مصداقا لهم ، عيّن في خاتمتها المتّصفين بها ، وحكم بعنوان الشّهادة لهم بكمال الإيمان وحسن الطّاعة ، وإنّما بدأ تعالى بذكره صلّى اللّه عليه وآله بطريق الغيبة ، مع ذكره هناك بطريق الخطاب ، لما أنّ حقّ الشّهادة الباقية مرّ الدّهور أن لا يخاطب بها المشهود له . وإيراده بعنوان الرّسالة المنبئة عن كونه صلّى اللّه عليه وآله صاحب كتاب وشرع تمهيدا لقوله : بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ ، والتّعرّض لعنوان الرّبوبيّة مع إضافته إليه تشريف له ، وتنبيه على أنّ إنزاله إليه تربية وتكميل له صلّى اللّه عليه وآله . ثمّ أتبع مدحه بمدح تابعيه بقوله : وَالْمُؤْمِنُونَ المعهودون المعروفون ، الخاصّون الصّدّيقون
--> ( 1 ) . في المصدر : قد . ( 2 ) . الاحتجاج : 220 ، تفسير الصافي 1 : 289 . ( 3 ) . تفسير الرازي 7 : 125 .