الشيخ محمد النهاوندي

564

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

كُلٌّ منهم ببركة هداية ذلك الرّسول المكرّم آمَنَ بِاللَّهِ وبوحدانيّته وبصفاته الجلاليّة والجماليّة ، بحقيقة الإيمان ، وصميم القلب ، كما قال سيّدهم وأميرهم « 1 » : « لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا » « 2 » . ثمّ أنّه تعالى عند تفصيل العقائد المعتبرة في الإيمان ومدح المؤمنين بها ، قدّم الإيمان بالملائكة والكتب في الذكر على الإيمان بالرّسل بقوله : وَمَلائِكَتِهِ من حيث إنّهم عباد مكرمون له ، لا يسبقونه بالقول ، وهم بأمره يعملون ، ومن شأنهم التّوسط بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتب وإلقاء الوحي وَكُتُبِهِ المنزلة لهداية الخلق وإقامتهم بالقسط وَرُسُلِهِ المبعوثين من قبله تعالى ، لتربية النّفوس ، وإتمام الحجّة ، وتبيين الأحكام . مع أنّ الرّسل أرفع شأنا من الملائكة ، بمقتضى الرّوايات المتضافرة ، بل المؤمنون أكرم عند اللّه منهم ؛ لأنّ الملائكة وسائط الوحي ، والكتب منشور اللّه ووحيه ، فترتيب النّظم مقتضي لتقديم المرسل ، ثمّ واسطة الإرسال ، ثمّ الرّسالة والمرسول ، ثمّ المرسل إليه . وأمّا تغيير الأسلوب بإضافة إيمان الرّسول إلى ما انزل إليه - مع كون الإيمان بالملائكة والكتب والرّسل داخلا فيه بنحو الإجمال ، وذكر التّفصيل في إيمان المؤمنين - فإنّما هو لتعظيم الرّسول وتشريفه ، بحيث ينبغي أن يقال في التّعبير : الملائكة والرّسل آمنوا بالرّسول ، فتعظيمه صلوات اللّه عليه اقتضى الاكتفاء في بيان ما آمن به بذلك الإجمال الذي يعلم تفصيله من تفصيل ما آمن به المؤمنون بذلك الرّسول . ثمّ بعد وصف المؤمنين من حيث العقائد والمعارف ، وصفهم من حيث المقال بأنّهم قائلون : نحن لا نُفَرِّقُ ولا نميّز بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ من حيث الإيمان والكفر ، والتّصديق والتّكذيب ، ولا نقول كما قال اليهود : نؤمن ببعض ونكفر ببعض وَقالُوا إظهارا للانقياد لأحكام اللّه : ربّنا سَمِعْنا نداء منادي الإيمان ، وتلاوة آيات القرآن ، وفهمنا ما جاءنا من الحقّ والأحكام وَأَطَعْنا أوامرك ونواهيك ، وأجبنا ذلك المنادي بالإيمان والانقياد والطّاعة ، فإذن نسأل غُفْرانَكَ خطايانا وذنوبنا يا رَبَّنا ومالك أمرنا اللّطيف بنا ، فإنّك مرجعنا في القيامة وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ والمنقلب بعد الموت ، وعند الحشر . قيل : لمّا نزلت الآية قال جبرئيل للرّسول صلّى اللّه عليه وآله : إنّ اللّه قد أثنى عليك وعلى امّتك ، فسل تعط ، فقال

--> ( 1 ) . أي أمير المؤمنين علي عليه السّلام . ( 2 ) . مناقب ابن شهرآشوب 2 : 38 ، بحار الأنوار 69 : 209 .