الشيخ محمد النهاوندي
558
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
حاضِرَةً ومعاملة نقديّة تُدِيرُونَها وتتعاطونها بَيْنَكُمْ يدا بيد ، فإن كانت المعاملة هكذا فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ وضرر أن لا تَكْتُبُوها لبعدها عن النّسيان والتّنازع وَ لكن أَشْهِدُوا شهيدين إِذا تَبايَعْتُمْ مطلقا ، سواء كان البيع نقديّا أو سلما أو نسيئة ، لكونه أحفظ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يحتمل كون الفعل مبنيّا على الفاعل ، وعلى المفعول ؛ فعلى الأوّل يكون نهيا للكاتب والشّاهد عن الإضرار بالمتداينين ، بترك الإجابة ، أو التّغيير ، أو التّحريف في الكتب والشّهادة . وعلى الثاني يكون نهيا للمتداينين عن الإضرار بهما « 1 » ، بأن يعجلاهما عن مهمّاتهما ، أو يلزماهما على الخروج عن الحدود الشّرعيّة في الكتابة والشّهادة ، أو لا يعطيا الكاتب جعله ، والشّاهد مؤنة مجيئه . والثاني هو الأظهر ، لقوله تعالى بعده ، مخاطبا للمتداينين : وَإِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتكم عنه من الإضرار فَإِنَّهُ فُسُوقٌ وخروج عن حدود الشّرع والعقل ، ملتبس بِكُمْ . ثمّ أكّد الوعيد بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أحكامه التي من جملتها حرمة الإضرار وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ما فيه صلاح دينكم ودنياكم وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من مصالح الأمور ومفاسدها ، وحسن الأشياء وقبحها عَلِيمٌ لا تخفى عليه خافية . وتكرير لفظ الجلالة في الجمل الثّلاث ، لتربيه المهابة وقيل : للتّنبيه على استقلال كلّ منها بمعنى على حياله ، حيث إنّ الأولى حثّ على التّقوى ، والثّانية وعد بالإنعام ، والثّالثة تعظيم لشأنه تعالى . أقول : في الجملة الثّانية إشعار بحكمة الأمر بالتّقوى ، وإنّه لصلاح راجع إلى العباد لا إليه سبحانه ، وفي الثّالثة دلالة على عدم إمكان الخطأ والاشتباه منه تعالى في ما علمه من الصّلاح والفساد . ثمّ اعلم أنّ الآية المباركة أطول آية في الكتاب العزيز ، وفيها دلالة على كمال لطفه على عباده ، ونهاية رفقه بهم ، وأنّه تعالى إذا كان حافظا لمصالح دنياهم بهذه المرتبة من الاهتمام ، يكون لمصالح آخرتهم أحفظ بمراتب ، وأنّه لا يرضى بوقوع الظّلم والتّنازع بينهم ، وأنّه يحبّ القيام بحوائجهم ، وإعانتهم على إحقاق حقوقهم . عن القمّي رحمه اللّه : في [ سورة ] البقرة خمسمائة حكم ، وفي [ هذه ] الآية خمسة عشر حكما « 2 » . في شرعية أخذ الرهن للدين وعدم اختصاصها بالسفر ثمّ بيّن سبحانه طريقا آخر لحفظ الدّيون ، أوثق من الكتابة ، وهو أخذ الرّهن والوثيقة عليها ، بقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ راكبين عَلى سَفَرٍ ومتلبّسين به ، أو مشرفين عليه
--> ( 1 ) . أي بالكاتب والشاهد . ( 2 ) . تفسير القمي 1 : 94 ، تفسير الصافي 1 : 286 .