الشيخ محمد النهاوندي

559

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ومتوجّهين إليه ، واحتجتم إلى التّداين وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً يكتب الدّين بحيث تستوثقون بكتابته فَرِهانٌ ووثائق من الأعيان مَقْبُوضَةٌ ومسلّمة إليكم ، قائمة مقام الكتابة ، بل أحفظ منها للدّين . وإنّما شرط السّفر في جواز الرّهن - مع عدم كونه مشروطا به ، بل يجوز في الحضر إجماعا - لكون السّفر مظنّة شدّة الحاجة إليه ، وانحصار طريق الاستيثاق به ، لغلبة إعواز الكاتب فيه . فالكلام خرج على الأعمّ الأغلب ، وليس في الواقع على سبيل الاشتراط . روي أنّه رهن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من شعير ، وأخذه لأهله « 1 » . في بيان اشتراط صحّة الرهن بالقبض ثمّ أنّ ظاهر الآية اشتراط صحّه الرّهن بالقبض ، ويعضده ما روي عن الصادق عليه السّلام : « لا رهن إلّا مقبوضا » « 2 » ، وادّعي شهرته بين الأصحاب . والإشكال في دلالة الآية ، وسند الرّواية - بل ودلالتها - ضعيف في الغاية . ثمّ بيّن سبحانه القسم الثّالث من الدّين ، وهو ما لم يؤخذ عليه كتاب ولا رهن ، بقوله : فَإِنْ أَمِنَ الدّائن الذي هو بَعْضُكُمْ ومن جملتكم بَعْضاً آخر ، وهو المديون ، واطمأنّ قلبه به ، بحيث لا يخاف منه الجحود والإنكار ، حتّى يحتاج إلى الاستيثاق بالكتاب والرّهن فَلْيُؤَدِّ المديون الَّذِي اؤْتُمِنَ على الدّين إلى الدائن أَمانَتَهُ وحقّه . وإطلاق الأمانة عليه ، لمعاملة الدّائن مع المديون ودينه معاملة الأمين والأمانة ، من عدم أخذ الكتاب والرّهن والشّهود عليه وَلْيَتَّقِ المديون أن يعصي اللَّهَ رَبَّهُ ومليكه اللّطيف بإنكار هذا الدّين الذي هو بمنزلة الأمانة ، والمماطلة في أدائه . ثمّ لمّا كانت الشّهادة على الدّين بمنزلة أمانة الدائن عند الشّاهد ، أمر سبحانه بأدائها ونهى عن كتمانها بقوله : وَلا تَكْتُمُوا أيّها الشّهود الشَّهادَةَ على حقوق النّاس إذا دعيتم لأدائها وَمَنْ يَكْتُمْها وأمتنع من أدائها عند الحاجة إليها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ قيل : إنّ إسناد الإثم إلى القلب ، لا ستلزامه إثم جميع الجوارح ، لكون القلب رئيسها ، فمن كان قلبه آثما كانت جميع جوارحه آثمة . عن الباقر عليه السّلام ، قال : « كافر قلبه » « 3 » .

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 1 : 272 . ( 2 ) . تفسير العياشي 1 : 283 / 630 ، التهذيب 7 : 176 / 779 عن الباقر عليه السّلام ، تفسير الصافي 1 : 286 . ( 3 ) . من لا يحضره الفقيه 3 : 35 / 115 ، تفسير الصافي 1 : 286 .