الشيخ محمد النهاوندي

557

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

الكاتب والشّاهد وجوبيّا مولويّا ، كما لا يخفى . ثمّ وجّه سبحانه الخطاب إلى المديونين ونهاهم عن التّواني في الكتابة بقوله : وَلا تَسْئَمُوا ولا تملّوا لكثرة مدايناتكم ، أو لقلّة هذا الدّين ، من أَنْ تَكْتُبُوهُ سواء كان صَغِيراً وقليلا كدينار أو درهم أَوْ كَبِيراً وكثيرا كمائة أو ألف ، حال كونه مستقرّا في الذّمّة إِلى أَجَلِهِ المعيّن ، ووقته المعلوم . قال بعض : الملالة والكسالة من الشّيطان . وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « لا يقول المؤمن كسلت » « 1 » . ثمّ بيّن سبحانه فوائد الكتب بقوله : ذلِكُمْ الكتب أَقْسَطُ وأعدل عِنْدَ اللَّهِ وفي حكمه ، حيث إنّ فيه حفظ الحقّ وَأَقْوَمُ وأثبت لِلشَّهادَةِ وأعون على إقامتها وَأَدْنى وأقرب إلى أن تكونوا موقنين به لا تَرْتابُوا ولا تشكّوا فيه من حيث الجنس والمقدار والوصف والأجل ، وسائر ما اعتبر فيه . فتحصّل من الآية أنّ للكتابة ثلاث فوائد : الأولى : كونها أقسط باعتبار أنّ المتداينين إذا وجدوا كتابا ، فلا بدّ لهم من العمل ، فلا يقع التّعدّي من أحدهما على الآخر . والثانية : أنّ الشّاهدين إذا نسوا القضيّة ، تكون الكتابة سببا لحفظها وتذكّرها ، ثمّ أنّه قد يكون المتداينان حاضرين لأداء الحقّ ، ولكن قد يكون في قلبهما ريب ؛ إمّا في أصله ، أو في مقداره ، أو أجله . والفائدة الثالثة : أن تكون الكتابة موجبة لزوال ريبهما . قيل : إنّه تعالى بالغ في هذه الآية المباركة في التّأكيد ، والبسط الشّديد في الأمر بكتابة الدّين والإشهاد عليه ، بعد المنع عن تحصيل المال بالرّبا ، مع بنائه تعالى في بيان الأحكام في الكتاب المجيد على الاختصار ، نظرا إلى حفظ المال الحلال عن الضّياع والبوار ، حتى يتمكّن المؤمن من الإنفاق في سبيل اللّه ، والإعراض عن مساخطته من طلب المال بالرّبا ، وسائر الوجوه المحرّمة . ثمّ بيّن سبحانه عدم الرّجحان للكتابة في المعاملة النّقديّة بقوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ المعاملة تِجارَةً

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 1 : 271 .