الشيخ محمد النهاوندي

537

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

كثيرا ؛ لأنّ الدّنيا محدودة من جميع الجهات ، والعلم لا نهاية لمراتبه ومدّة بقائه ، فالعلم والحكمة خير من الدّنيا وما فيها . وَما يَذَّكَّرُ لتلك الفضيلة ، ولا يتنبّه لهذه المزيّة للحكمة أحد إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ وذوو العقول السّليمة ، الخالصة عن شوائب الأوهام ، الغالبة على الشّهوات . وهم الحكماء الرّبانيّون والعلماء باللّه ، لوضوح أنّ من لا غلبة لعقله على هواه ليس له ذلك التّنبّه والاتّعاظ . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 270 ] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 270 ) ثمّ أنّه تعالى - لشدّة الاهتمام بالانفاق الذي هو أحسن الأعمال وأنفعها - أكّد أمره به بالوعد بالثّواب العظيم ، والتّحذير عن تركه بالعقاب الشّديد ، بقوله : وَما أَنْفَقْتُمْ في سبيل اللّه مِنْ نَفَقَةٍ وبأيّ شيء تصدّقتم من قليل أو كثير ، في حقّ أو باطل ، في سرّ أو علانية أَوْ نَذَرْتُمْ والتزمتم على أنفسكم مِنْ نَذْرٍ والتزام معلّق أو مطلق ، في طاعة كنذر أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السّلام صيام ثلاثة أيّام لشفاء ولدهما ، أو معصية كنذر نسوة من قبيلة بني أود أن تنحر كلّ واحدة منهن عشر قلائص « 1 » إن قتل الحسين عليه السّلام ، على ما نقله ابن أبي الحديد « 2 » فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ فيثيب على مستحسنها ، ويعاقب على قبيحها . وفيه - مع كمال اختصاره - وعد عظيم ووعيد شديد . ثمّ أكّد الوعيد بقوله : وَما لِلظَّالِمِينَ على أنفسهم بترك الإنفاق الواجب ، أو إبطاله بالرّياء والسّمعة أو المنّ والأذى ، أو بالصّرف في تشييد الكفر وتضعيف الحقّ ، أو بنذره في المعصية مِنْ أَنْصارٍ وأعوان مدافعين عنهم بأس اللّه وعذابه ، فلا شفاعة ولا مدافعة . وإيراد ( الأنصار ) بصيغة الجمع لمقابلة الجمع وهو ( الظالمين ) وعطف النّذر على الإنفاق ، لغلبة استلزامه إيّاه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 271 ] إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 271 )

--> ( 1 ) . القلائص : جمع قلوص ، والقلوص من الإبل : الفتية من حين تركب إلى التاسعة من عمرها . ( 2 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 : 61 .