الشيخ محمد النهاوندي
538
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ بيّن سبحانه مراتب رجحان الصّدقات من حيث الإعلان والإسرار ، وتفاوتهما في الأجر بقوله : إِنْ تُبْدُوا وتظهروا الصَّدَقاتِ المفروضة والمندوبة ، كما هو ظاهر عموم اللّفظ فَنِعِمَّا هِيَ أي شيء ممدوح ، ذلك الإبداء عند اللّه إن سلم من السّمعة والرّياء . وَإِنْ تُخْفُوها من النّاس وَتُؤْتُوهَا الذين علمتموهم الْفُقَراءَ وغير المالكين مؤنة سنتهم فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وأحسن وأفضل عند اللّه من الإبداء ، حيث إنّ الإعطاء في الخفاء أبعد من الرّياء ، وأحفظ لعرض الفقراء . قيل : وجه التّصريح عند الإخفاء بالإيتاء للفقراء - مع أنّه واجب في الإبداء أيضا - أنّ الإخفاء مظنّة الالتباس ، فإنّ الغنيّ ربّما يدّعي الفقر ويقبل الصّدقة سرّا ، ولا يفعل ذلك عند النّاس « 1 » . وَيُكَفِّرُ اللّه ويستر عَنْكُمْ بعفوه بعضا مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وشيئا من ذنوبكم ، وقيل : إنّ ( من ) زائدة ، والمعنى : يمحو عنكم جميع ذنوبكم « 2 » . فجعل اللّه ستر الذّنوب جزاء لستر الصّدقات . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الصّدقات وسائر العبادات ، ولو كان في السّرّ والخفية خَبِيرٌ ومطّلع ، فمن يطلب بها مرضاة اللّه يحصل مطلوبه بإتيانها في السّرّ ، إذ لا تخفى على اللّه خافية . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « صدقة السّرّ تطفئ غضب الرّبّ ، وتدفع « 3 » الخطيئة ، كما يطفئ الماء النّار ، وتدفع سبعين بابا من البلاء » « 4 » . وعنه صلّى اللّه عليه وآله : « سبعة يظلّهم اللّه بظلّة يوم لا ظلّ إلّا ظلّه - إلى أن قال - : ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها ، حتى لا تعلم يمينه ما أنفق بشماله » « 5 » . وعن الباقر عليه السّلام ، في قوله عزّ وجلّ : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ قال : « يعني الزّكاة المفروضة » قال : قلت : وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ ؟ قال : « يعني النّافلة » « 6 » . وعن الصادق عليه السّلام ، في قوله : تُخْفُوها قال : « هي سوى الزّكاة ، إنّ الزّكاة علانيّة خير له » « 7 » . وعنه عليه السّلام : « فإنّ كلّ ما فرض اللّه عليك فإعلانه أفضل من إسراره [ وكلّ ما كان تطوّعا فإسراره أفضل من إعلانه ] ولو أنّ رجلا حمل زكاته على عاتقه ، فقسّمها علانيّة ، كان ذلك حسنا جميلا » « 8 » .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 432 و 433 . ( 2 ) . تفسير الرازي 7 : 76 . ( 3 ) . في مجمع البيان : وتطفئ . ( 4 ) . مجمع البيان 2 : 385 . طبعة شركة المعارف الإسلامية . ( 5 ) . مجمع البيان 2 : 663 . ( 6 ) . الكافي 4 : 60 / 1 . ( 7 ) . الكافي 3 : 502 / 17 ، وفيه : علانية غير سرّ . ( 8 ) . الكافي 3 : 501 / 16 .