الشيخ محمد النهاوندي
527
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ بيّن اللّه تعالى ما يعتبر في صحّة الإنفاق بقوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ من جهاد أو غيره من وجوه الخير ثُمَّ بعد التّوفيق بهذا العمل الصّالح النّافع لا يُتْبِعُونَ ولا يعقبون ما أَنْفَقُوا مَنًّا وإظهار حقّ على المنفق عليه ، وحسن اصطناع به وَلا أَذىً وإساءة بكلام أو فعل فيسوؤه ، كأن يقول للفقير : تأذّينا منك ، أو : لا نستريح من شرّك وزحمتك ، أو يتطاول عليه ، وأمثال ذلك . وتقديم ذكر المنّ لكونه أكثر وقوعا من الأذى ، وذكر كلمة ( ثمّ ) لإظهار مباينة الإنفاق لهما ، وكمال البعد بينه وبينهما . عن الصادق عليه السّلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « من أسدى إلى مؤمن معروفا ، ثمّ آذاه بالكلام ، أو منّ عليه ، فقد أبطل اللّه صدقته » « 1 » . فتحصّل من الآية المباركة والرواية الشّريفة أنّ الصّدقة ، بل كلّ معروف ، كزرع المؤمن ، والمنّ والأذى آفتاه ، فعلى المؤمنين أن يحفظوا زرعهم من الآفة ، فإذا حفظوه منها كان لَهُمْ أَجْرُهُمْ وثوابهم الموعود ، في الآية السّابقة ، المذخور عِنْدَ رَبِّهِمْ ومليكهم اللّطيف بهم وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من نقص الأجر ، والابتلاء بالعذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلّفوه من الدّنيا ، وما فاتهم من مطلوب . روى العامّة أنّها نزلت في عثمان حين جهّز جيش العسرة في غزوة تبوك ، بألف بعير بأقتابها وأحلاسها ، وألف دينار « 2 » . وفي عبد الرّحمن بن عوف حيث تصدّق بأربعة آلاف درهم على رواية ، أو دينار على أخرى ، أو بنصف ماله على ثالثة « 3 » . وعلى هذا يحتمل أن يكون في ذكر المنّ والأذى التّعريض عليهما ، والإشارة إلى منّهما على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين بصدقتهما ، كما يستفاد ممّا روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « ما من النّاس أحد أمنّ علينا في صحبته وذات يديه من ابن أبي قحافة » « 4 » . أنّه منّ بإسلامه وصحبته على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وكان من مصاديق قوله تعالى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا « 5 » . في ردّ ما روته العامّة في قضية أبي بكر وقد أوّل بعض العامّة المنّ في الحديث بكثرة إنعامه بماله . وفيه : أنّه ما نقل من أحد
--> ( 1 ) . تفسير القمي 1 : 91 ، تفسير الصافي 1 : 272 . ( 2 ) . الأحلاس جمع حلس : وهو كلّ ما على ظهر الدابة تحت الرّحل والقتب والسّرج . ( 3 ) . تفسير الرازي 7 : 45 ، تفسير أبي السعود 1 : 258 ، تفسير روح البيان 1 : 419 . ( 4 ) . تفسير الرازي 7 : 46 . ( 5 ) . الحجرات : 49 / 17 .