الشيخ محمد النهاوندي
528
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
أنّه كان قبل البعثة وبعدها غنيّا ذا ثروة ، مع وضوح كون أمير المؤمنين عليه السّلام أمنّ عليه صلّى اللّه عليه وآله منه ، حيث إنّه عليه السّلام بذل في محبّته نفسه وماله . وكيف كان أبو بكر كثير الإنعام مع بخله بصدقة درهم لنجوى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ؟ ! ولذلك ترك مكالمة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ونجواه عشرة أيّام . والحاصل : أنّه لا دلالة في الآية إلّا على اشتراط أجر الصّدقة بخلوّها عن المنّ والأذى ، وانّهما مبطلان لها ومحبطان لأجرها ، وكونها عند الاقتران بهما حسرة ووبالا ، ولا صراحة بل لا ظهور لها في المدح ، وإنّما الصّراحة فيما نزل في صدقة أمير المؤمنين عليه السّلام من قوله تعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً « 1 » . رواية عامية في فضيلة الحسن بن علي عليهما السّلام وروى بعض العامّة - في شأن نزول الآية - أنّ الحسن بن علي عليهما السّلام اشتهى طعاما ، فباع قميص فاطمة عليها السّلام بستّة دراهم ، فسأله سائل فأعطاها ، ثمّ لقي رجلا يبيع ناقة ، فاشتراها بأجل وباعها من آخر ، فأراد أن يدفع الثّمن إلى بائعها فلم يجده . فحكى القضيّة إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فقال : أمّا السائل فرضوان ، وأمّا البائع فميكائيل ، وأمّا المشتري فجبرائيل ، قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ . . . الآية « 2 » . أقول : الرواية قرينة على سوق الآية في غاية المدح . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 263 ] قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ( 263 ) ثمّ أكّد سبحانه اشتراط قبول الصّدقة بعدم اقترانها بالمنّ والأذى بقوله : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وردّ جميل عند عدم الإنفاق ، كأن يقول للفقير : أنا منفعل منك ، ومعتذر إليك واللّه يرزقك ، ويوسّع عليك ، حتى يسرّ قلبه ويطيب خاطره وَمَغْفِرَةٌ وستر لإلحاف السّائل في المسألة ، وعفو عن تعدّيه في القول وبذاءة لسانه ، وصفح عن إساءته خَيْرٌ لكم عند ربّكم ، وأنفع مِنْ صَدَقَةٍ تحسبونها خيرا ، إذا كان يَتْبَعُها أَذىً وإساءة ؛ لأنّ في الكلام الجميل مسرّة قلب الفقير بلا ضرر عليه ، بخلاف الإعطاء مع المنّ والأذى ، فإنّ فيه ضررا بما يكون تحمّله أشقّ عليه من تحمّل مرارة الفقر وَاللَّهُ غَنِيٌّ عمّن ينفق على الفقراء الذين هم عياله ، وعن إنفاقكم ، حيث إنّه بفضله ورحمته يرزقهم من حيث لا يحتسبون ، بل أنتم محتاجون إلى الإنفاق حتّى يكون ذخرا لكم ، وهو حَلِيمٌ غير عجول
--> ( 1 ) . الإنسان : 76 / 8 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 419 .