الشيخ محمد النهاوندي

506

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

العالمين » « 1 » . وقال بعض العلماء : إنّ كلّ أمير تكون مؤنته على قدر رعيّته ، وسعة مملكته . فالأمير الذي تكون إمارته على قرية تكون مؤنته بقدر تلك القرية ، ومن ملك المشرق والمغرب احتاج إلى أموال وذخائر أكثر من أموال أمير القرية ، فكذلك كلّ رسول بعث إلى قومه ، أعطي من كنوز التّوحيد وجواهر المعرفة على قدر ما حمّل من الرّسالة ، فالمرسل إلى قومه في طرف مخصوص من الأرض ، إنّما يعطى من كنوز الرّوحانيّة بقدر ذلك الموضع ، والمرسل إلى كلّ أهل المشرق والمغرب إنسهم وجهنّم ، لا بدّ وأن يعطى من المعرفة بقدر ما يمكنه أن يقوم بأمور أهل الشّرق والغرب . وإذا كان كذلك ، كانت نسبة نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله إلى نبوّة سائر الأنبياء ، كنسبة ملك كلّ المشارق والمغارب إلى ملك بعض البلاد المخصوصة « 2 » ، فلا جرم بلغ في العلم والحكمة والمعرفة إلى حدّ لم يبلغه أحد من البشر ، قال تعالى : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى « 3 » وفي الفصاحة - إلى أن قال : « أوتيت جوامع الكلم » وصار كتابه مهيمنا على سائر الكتب ، وصارت امّته خير الأمم « 4 » . ثمّ خصّ اللّه تعالى عيسى بن مريم بالذكر ، بقوله : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الآيات الْبَيِّناتِ والمعجزات الباهرات كإحياء الطّير المسوّى من الطّين بالنّفخ فيه ، وإحياء الموتى وغير ذلك ، مع كون معجزات موسى عليه السّلام أكثر لتوبيخ اليهود على عدم الإيمان به ، مع وفور معجزاته وَأَيَّدْناهُ وأعنّاه بِرُوحِ الْقُدُسِ قيل : إنّ القدس هو اللّه ، وروحه جبرئيل . والإضافة تشريفيّة ، فإنّ اللّه أعانه بجبرئيل في أوّل أمره ، حيث قال : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا « 5 » وفي وسطه حيث علّمه العلوم ، وفي آخره حيث إنّه رفعه إلى السّماء « 6 » . وهؤلاء النّبيّون مع علوّ شأنهم وإتيانهم المعجزات الباهرات ، اختلفت أممهم في الكفر والإيمان حتى تقاتلوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ وأراد - إرادة تكوينيّة - توافقهم على الحقّ ، وتسالمهم عليه ، وترك مقاتلتهم ، لاتّفقوا على الإيمان بالقهر والجبر مَا اقْتَتَلَ أممهم الَّذِينَ كانوا مِنْ بَعْدِهِمْ وغبّ « 7 » وفاتهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ من قبل رسلهم ، الآيات الْبَيِّناتِ وشاهدوا المعجزات ،

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 6 : 198 . ( 2 ) . زاد في تفسير الرازي : ولمّا كان كذلك لا جرم أعطي من كنوز الحكمة والعلم ما لم يعط أحد قبله . ( 3 ) . النجم : 53 / 10 . ( 4 ) . تفسير الرازي 6 : 198 . ( 5 ) . التحريم : 66 / 12 . ( 6 ) . تفسير الرازي 6 : 203 . ( 7 ) . أي بعدها .