الشيخ محمد النهاوندي

507

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ووضحت لهم دلائل الحقّ الموجبة لاتّفاقهم واجتماعهم على الإيمان بهم ، والموادّة بينهم . وَلكِنِ مع ذلك - حيث لم يشأ اللّه قهرهم على التّوافق في الإيمان لكونه خلاف الحكممة ، وأتمّ النّظام - اخْتَلَفُوا بأهوائهم الزّائغة اختلافا شديدا فاحشا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بالرّسل وما جاءوا به ، وأطاع وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بهم ، وعصى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ بعد وقوع الاختلاف بينهم ، عدم اقتتالهم مَا اقْتَتَلُوا بأن لم يتحرّك منهم عضو للقتال ، ولم يحدث في قلوبهم داع إليه وَلكِنَّ اللَّهَ بقدرته الكاملة يَفْعَلُ ما يُرِيدُ من الخذلان والعصمة عدلا وفضلا . عن ( الكافي ) : عن الباقر عليه السّلام : « في هذه الآية دلالة على أنّ أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وآله قد اختلفوا من بعده ، فمنهم من آمن ، ومنهم من كفر » « 1 » . عن العيّاشي : سئل أمير المؤمنين عليه السّلام يوم الجمل : كبّر القوم وكبّرنا ، وهلّل القوم وهلّلنا ، وصلّى القوم وصلّينا ، فعلام نقاتلهم ؟ فتلا هذه الآية ، ثمّ قال : « نحن الّذين من بعدهم » ، وقال : « فنحن الّذين آمنّا ، وهم الّذين كفروا » « 2 » . وفي رواية ، قال : « فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه عزّ وجلّ وبالنّبيّ والكتاب وبالحقّ ، فنحن الّذين آمنوا ، وهم الّذين كفروا ، وشاء اللّه تعالى قتالهم بإرادته ومشيئته » « 3 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 254 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 ) ثمّ لمّا كان في الآية السّابقة إشعار بلزوم القتال بين المؤمنين والكافرين ، ومن الواضح أنّه متوقّف على صرف المال ، أردفه بالأمر بإنفاقه ، بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا في الجهاد ، وسائر سبل الخير ، شيئا مِمَّا رَزَقْناكُمْ وتفضّلنا به عليكم إحسانا وكرما . وفيه دلالة على أنّ كل ما بأيدي النّاس من الأموال ، من مواهب اللّه وإنعامه عليهم وليس لهم شيء منها ، وعلى هذا لا ينبغي أن يصعب على أحد إنفاقه ، بل عليه أن ينفقه بسهولة وبلا منّة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يوم فاقة جميع النّاس ، وغاية استئصالهم ، وهو يوم القيامة ، حيث إنّه يَوْمٌ لا بَيْعٌ و [ لا ]

--> ( 1 ) . الكافي 8 : 270 / 398 ، تفسير الصافي 1 : 258 . ( 2 ) . تفسير العيّاشي 1 : 256 / 552 ، تفسير الصافي 1 : 258 . ( 3 ) . أمالي الطوسي : 198 / 337 ، تفسير الصافي 1 : 258 .