الشيخ محمد النهاوندي

453

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وعنهم عليهم السّلام : « أنّ أوّل ما نزل في تحريم الخمر قول اللّه تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما فلمّا نزلت هذه الآية أحسّ القوم بتحريمها [ وتحريم الميسر ] وعلموا أنّ الإثم ممّا ينبغي اجتنابه ، ولا يحمل اللّه عزّ وجلّ عليهم من كلّ طريق ، لأنّه قال : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ثمّ أنزل اللّه تعالى آية أخرى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فكانت هذه الآية أشدّ وأغلظ في التّحريم ، ثمّ ثلث بآية أخرى فكانت أغلظ من الآية الأولى والثّانية وأشدّ ، فقال تعالى : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ « 1 » فأمر اللّه تعالى باجتنابهما » الخبر « 2 » . وعن بعض العامّة : لمّا نزلت الآية ، قال عمر : قد انتهينا يا ربّ « 3 » . أقول : فيه دلالة على أنّه كان يشربه . قيل : حرّمت الخمر في السنّة الثالثة من الهجرة بعد غزوة الأحزاب بأيّام « 4 » . وقيل في وجه تحريم الخمر على هذا التّرتيب : إنّه تعالى علم أنّ القوم كانوا ألفوا شرب الخمر ، وكان انتفاعهم به كثيرا ، وعلم أنّه لو منعهم دفعة واحدة لشقّ عليهم ، فلا جرم استعمل في التّحريم التّدريج والرفق . ثمّ لمّا أنزل التّحريم أريقت الخمر « 5 » . قال ابن عمر : خرجنا بالحباب إلى الطّريق فمنّا من كسر حبّه ، ومنّا من غسله بالماء والطّين ، ولقد غودرت أزقّة المدينة بعد ذلك حينا كلّما مطرت استبان فيها لون الخمر ، وفاحت منها ريحها ، [ وحرّمت الخمر ] ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها ، وما حرّم اللّه عليهم شيئا أشدّ من الخمر « 6 » . ثمّ أنّه تعالى حكى السؤال الخامس بقوله : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ وأيّ مقدار من أموالهم يبذلون ؟ قيل : إنّ السائل عمرو بن الجموح ، حيث سأل أوّلا عمّا ينفق من الأموال ، وعن مصرفه ، ثمّ سأل عمّا ينفق من حيث المقدار والكمّيّة « 7 » ، فأجاب سبحانه بقوله : قُلِ الْعَفْوَ قيل : إنّه الزائد عمّا

--> ( 1 ) . المائدة : 5 / 90 و 91 . ( 2 ) . الكافي 6 : 406 / 2 ، تفسير الصافي 1 : 228 . ( 3 ) . تفسير الرازي 6 : 40 ، تفسير روح البيان 1 : 339 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 1 : 339 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 1 : 339 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 1 : 339 . ( 7 ) . تفسير أبي السعود 1 : 219 .