الشيخ محمد النهاوندي
444
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
بهم المحنة إلى الغاية والضّرّ والبؤس إلى هذه الدّرجة العظيمة ، قيل لهم : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ . والحاصل : أنّ المؤمنين الذين خلوا ، كانوا في هذه المرتبة من البلاء والمحن ، وصبروا ولم يتغيّر دينهم حتّى أتاهم النّصر والفرج ، فكونوا أيّها المسلمون كذلك . روي أنّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « حفّت الجنّة بالمكاره ، وحفّت النّار بالشّهوات » « 1 » . وروي عن خبّاب بن الأرتّ ، قال : شكونا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما نلقى من المشركين ، فقال : « إنّ من كان قبلكم من الأمم كانوا يعذّبون بأنواع البلاء ، فلم يصرفهم ذلك عن دينهم ، حتّى أنّ الرّجل يوضع على رأسه المنشار فيشقّ فلقتين ، ويمشّط الرّجل بأمشاط الحديد فيما دون العظم من اللّحم والعصب ، وما يصرفه ذلك عن دينه ، وأيم اللّه ليتمّنّ هذا الأمر حتّى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا اللّه والذئب على غنمه ، ولكنّكم تعجلون » « 2 » . وعن ابن عبّاس : لمّا دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله المدينة اشتدّ الضّرر عليهم ، لأنّهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فأنزل اللّه تطييبا لقلوبهم أَمْ حَسِبْتُمْ « 3 » . وقيل : إنّها نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن ، وكان كما قال سبحانه : بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ « 4 » . وقيل : نزلت في حرب أحد لمّا قال عبد اللّه بن ابيّ لأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : إلى متى تقتلون أنفسكم وترجون الباطل ؟ ولو كان محمّد [ نبيا ] لما سلّط اللّه عليكم الأسر والقتل ، فأنزل اللّه هذه الآية « 5 » . ويمكن الجمع بينهما بالقول بتكرّر النزول . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 215 ] يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 ) ثمّ أنّه تعالى بعد بيان أنّ الصّبر على الضّراء من وظائف الإيمان ، وكان الإنفاق في سبيل اللّه أيضا من وظائف الإيمان ، حكى اللّه تعالى سؤال المؤمنين عن خصوصيّاته بعد حثّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بقوله :
--> ( 1 ) . نهج البلاغة : 251 الخطبة 176 . ( 2 ) . تفسير الرازي 6 : 20 . ( 3 ) . تفسير الرازي 6 : 19 . ( 4 ) . تفسير الرازي 6 : 19 ، والآية من سورة الأحزاب : 33 / 10 . ( 5 ) . تفسير الرازي 6 : 19 .