الشيخ محمد النهاوندي
445
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ . عن ابن عبّاس : أنّ الآية نزلت في عمرو بن الجموح وكان شيخا كبيرا هرما ، وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم ، فقال : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها ؟ فنزلت هذه الآية « 1 » . فأجاب اللّه عن السؤالين بقوله : قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ أيّ خير كان فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وقد مرّ تفسير جميعها ووجه ترتيبها « 2 » . وعن ابن عبّاس : نزلت هذه الآية في رجل أتى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فقال : إنّ لي دينارا . فقال : « أنفقه على نفسك » قال : إنّ لي دينارين ، قال : « أنفقهما على أهلك » قال : إنّ لي ثلاثة . قال : « أنفقها على خادمك » . قال : إنّ لي أربعة ؟ قال : « أنفقها على والديك » . قال : إنّ لي خمسة . قال : « أنفقها على قرابتك » . قال : إنّ لي ستّة . قال : « أنفقها في سبيل اللّه ، وهو أحسنها » « 3 » . وعدم التعرّض في الآية للسائلين وفي الرّقاب لعلّه لدخولها تحت عموم قوله : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فإنّه عامّ لكلّ ما فيه مرضاة اللّه من العبادات والصّدقات ، وفي قوله : فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ وعد بالثّواب العظيم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 216 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) ثمّ أنّه سبحانه بعد التّرغيب في الإنفاق في سبيل اللّه - الذي هو الجهاد بالأموال - حثّ على الجهاد بالأنفس . قيل : لم يكن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مأذونا في القتال مدّة إقامته في مكّة ، فلمّا هاجر إلى المدينة اذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ثمّ اذن له في قتال عامّتهم ، وفرض اللّه عليه الجهاد « 4 » بقوله : كُتِبَ وفرض عَلَيْكُمُ الْقِتالُ مع الكفّار وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ غير ملائم لطباعكم البشريّة ، لأنّ فيه الإقدام على بذل المهج وتحمّل المشاقّ ، وخطر الرّوح ، وإن كان المؤمن بعد أمر اللّه يحبّه ويشتاق إليه على خلاف الطبيعة ، وإطلاق الكره للمبالغة وهو بمعنى المكروه .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 6 : 23 . ( 2 ) . الآية ( 177 ) من هذه السورة . ( 3 ) . تفسير الرازي 6 : 22 . ( 4 ) . تفسير الرازي 6 : 26 .