الشيخ محمد النهاوندي

433

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ بظلمه وسوء سيرته » « 1 » الخبر ، ويحتمل كون المراد أنّ الظلم موجب لانقطاع الرّحمة وارتفاع البركة . وعن الصادق عليه السّلام : « الحرث في هذا الموضع الدّين ، والنّسل : النّاس » « 2 » . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ ولا يريد بالإرادة التّشريعيّة الْفَسادَ في الآفاق والأنفس ، أو لا يريد بالإرادة التّكوينيّة والتّشريعيّة الفساد المحض الذي لا يشوبه صلاح . وَإِذا قِيلَ لَهُ عظة ونصحا اتَّقِ اللَّهَ وخف عذابه ، واترك الفساد ، واحذر سوء عاقبته أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ والأنفة بِالْإِثْمِ وحملته عليه لجاجا فَحَسْبُهُ وكافيه جَهَنَّمُ جزاء ونكالا على سوء فعاله وَلَبِئْسَ الْمِهادُ والفراش الممهّد والمستقرّ المؤبّد هي . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 207 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 207 ) ثمّ أنّه تعالى لمّا بيّن حال المنافق الذي باع دينه بدنياه ، عقّبه بذكر حال المؤمن المخلص الذي باع دنياه بدينه ، بقوله : وَمِنَ النَّاسِ المؤمنين مَنْ يَشْرِي ويبيع نَفْسَهُ من اللّه ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ويبذل شراشر وجوده « 3 » في سبيل اللّه ، وطلبا لرضوانه وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ المؤمنين ، يدفع عنهم كلّ ضرّ ، وينزل عليهم بكلّ خير . عن ( تفسير الإمام عليه السّلام ) : « هؤلاء خيار أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عذّبهم أهل مكّة ليضلّوهم عن دينهم ، فمنهم بلال وصهيب وخبّاب وعمّار بن ياسر وأبواه » « 4 » . وعن ابن عبّاس : أنّ هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان مولى عبد اللّه بن جدعان « 5 » ، وفي عمّار بن ياسر ، وفي سميّة امّه ، وفي ياسر أبيه ، وفي بلال مولى أبي بكر ، وفي خبّاب بن الأرتّ ، وفي عابس مولى حويطب ، أخذهم المشركون فعذّبوهم ، فأمّا صهيب فقال لأهل مكة : إنّي شيخ كبير ، ولي مال ومتاع ، ولا يضرّكم كنت منكم أو من عدوّكم ، تكلّمت بكلام وأنا أكره أن أنزل عنه ، وأنا أعطيكم مالي

--> ( 1 ) . تفسير العياشي 1 : 211 / 394 ، الكافي 8 : 289 / 435 . ( 2 ) . تفسير القمي 1 : 71 ، مجمع البيان 2 : 534 . ( 3 ) . أي جميع وجوده وكيانه ، والشراشر : أطراف الأجنحة ، والجسم بجملته ويقال : ألقى عليه شراشره ، أي اعباءه وهمومه ، أو ألقى عليه نفسه حرصا ومحبّة . ( 4 ) . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 621 / 365 . ( 5 ) . في النسخة : عبد اللّه بن صرحان .