الشيخ محمد النهاوندي

432

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

والتّقوى ، المبطنين للكفر والعناد بقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ ويروقك ويعظم في قلبك قَوْلُهُ بسبب تزيين البيان بالورع والتّقوى ليطلب حظا ، إلّا أنّه يكون إعجابه وحسنه فِي الْحَياةِ الدُّنْيا من غير أن يكون لكلامه المعجب أثر في الآخرة ، فإنّ الظواهر تفيد في هذا العالم ، وأمّا الآخرة فهي عالم كشف الحقائق والواقعيّات ، ليس فيها ستر واشتباه . وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ من اليقين والإخلاص ، ويحلف باللّه أنّ باطنه مطابق لظاهره ، ومصدّق لكلامه وَهُوَ في هذه الحالة أَلَدُّ الْخِصامِ وشديد المعارضة والعداوة للّه ولرسوله وللمؤمنين . في نفاق الأخنس بن شريق الثقفي نقل أنّها نزلت في الأخنس بن شريق الثّقفي ، وهو حليف لبني زهرة ، أقبل إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأظهر الإسلام والمحبّة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ويحلف باللّه على ذلك ، وهذا هو المراد بقوله : يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ إلى آخره « 1 » . وروي عن ابن عبّاس أنّ كفّار قريش بعثوا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : أنّا قد أسلمنا ، فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك ، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرّجيع ، ووصل الخبر إلى الكفّار ، فركب منهم سبعون راكبا وأحاطوا بهم وقتلوهم وسلبوهم ، ففيهم نزلت « 2 » . ويرجّح الأوّل . قوله : وَإِذا تَوَلَّى وانصرف من عندك ، وإذا صار غالبا وواليا سَعى واجتهد فِي الْأَرْضِ جميعها ، لا يتفاوت في نظره مكان لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ نقل أنّ الأخنس لمّا انصرف من عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وخرج من المدينة ، مرّ بزرع المسلمين فأحرق الزّرع وقتل الحمر « 3 » . وقيل : كان بينه وبين ثقيف عداوة ، فأتاهم ليلا فأحرق زرعهم وأهلك مواشيهم « 4 » . فإنّ هذه الآية أوفق بما روي عن الأخنس ممّا يروى عن ابن عبّاس . وقيل : إنّ الأخنس سعى في إدخال الشبهة في قلوب المسلمين ، وتقوية الكفر « 5 » ، وتضعيف الاسلام . وهذا هو السّعي للفساد في الأرض لأنّه موجب للاختلاف بين النّاس وتفريق كلمتهم ، فيتبرّأ بعضهم من بعض ، ويتقطّعون أرحامهم ، ويشتغلون بالحرب ، فيهلك الحرث والنّسل .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 5 : 197 . ( 2 ) . تفسير الرازي 5 : 197 . ( 3 ) . تفسير الرازي 5 : 197 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 1 : 323 . ( 5 ) . تفسير الرازي 5 : 200 .