الشيخ محمد النهاوندي
415
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
في الحرم ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآيات ، وبيّن لهم كيفيّة المقاتلة إلى أن احتاجوا إليها ، فقال : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ « 1 » . وَلا تَعْتَدُوا بابتداء القتال في الحرم محرمين ، وبقتل الصّبية والنّساء ، وبالمثلة إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ولا يريد بهم خيرا . ثمّ شدّد سبحانه في قتال مشركي قريش بقوله : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وفي أيّ مكان من الحلّ أو الحرم وجدتموهم . روي عنهم عليهم السّلام : « أنّها ناسخة لقوله تعالى : وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ » « 2 » . وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي من مكّة ، وقد فعل صلّى اللّه عليه وآله بمن لم يسلم من كفّار قريش يوم الفتح . وروي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أجلى كلّ مشرك من الحرم . ثمّ أجلاهم من المدينة ومن جزيرة العرب ، وقال : « لا يجتمع دينان في جزيرة العرب » « 3 » . ثمّ أنّه روي أنّ بعض الصحابة كان قتل رجلا من الكفّار في الشّهر الحرام فعابه المؤمنون على ذلك فنزلت « 4 » . وَالْفِتْنَةُ وهي محنة الإخراج وجلاء الوطن « 5 » . وقيل : هي الشّرك « 6 » وصدّهم المسلمين عن الحرم أَشَدُّ وأصعب مِنَ الْقَتْلِ لدوام تعبها وبقاء ألم النّفس بها . سئل بعض الحكماء : أيّ شيء أشدّ من الموت ؟ قال : الذي يتمنّى فيه الموت « 7 » . وقيل : إنّ المشركين كانوا يستعظمون القتل في الحرم ، ويعيبون المسلمين به ، فردّ اللّه عليهم بأنّ الكفر والشّرك باللّه في الحرم أشدّ قبحا من القتل « 8 » . ثمّ بيّن اللّه تعالى أنّ شرط جواز القتال في الحرم أن يكون بعنوان الدّفاع ، بقوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ بادين به عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ولا تهتكوا بالقتال فيه حرمته حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ ويبادروا إلى
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 5 : 127 . ( 2 ) . مجمع البيان 2 : 510 ، والآية من سورة الأحزاب : 33 / 48 . ( 3 ) . تفسير الرازي 5 : 130 . ( 4 ) . مجمع البيان 2 : 511 ، تفسير الرازي 5 : 130 . ( 5 ) . كذا ، والظاهر : والجلاء من الوطن . ( 6 ) . تفسير البيضاوي 1 : 109 . ( 7 ) . تفسير روح البيان 1 : 306 . ( 8 ) . الكشاف 1 : 236 .