الشيخ محمد النهاوندي

406

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

عين الدّين ، وكثرة الدّعاء مع العمى عن اللّه من علامة الخذلان ، من لم يشهد ذلّة نفسه وقلبه وسرّه تحت قدرة اللّه حكم على اللّه بالسّؤال ، وظنّ أنّ سؤاله دعاء ، والحكم على اللّه من الجرأة على اللّه » « 1 » . وفي رواية : قيل له عليه السّلام : إنّ اللّه يقول : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وإنّا ندعو فلا يستجاب لنا ؟ فقال : « لأنّكم لا توفون بعهده ، وإنّ اللّه يقول : أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ « 2 » واللّه لو وفيتم [ للّه ] لو في اللّه لكم » « 3 » . في دفع توهّم عدم الفائدة للدعاء ثمّ اعلم أنّ بعض الجهّال قالوا : إنّ الدّعاء عديم الفائدة ؛ لأنّ المطلوب بالدّعاء إن كان معلوم الوقوع عند اللّه تعالى كان واجب الوقوع ، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع ، فلا فائدة في الدّعاء على التّقديرين . وهو واضح الفساد ، إذ قد يكون أمر معلوم الوقوع على تقدير الدعاء حيث إنّ للدّعاء دخالة تامّة في مصلحة ذلك الأمر ، فقد لا تكون المصلحة في إيجاد المطلوب ، وبالدّعاء يوجد فيه الصّلاح ، والآيات والأخبار المتواترة ناصّة على فائدته ، بل هي من ضروريّات الدّين فمنكرها كافر . في دفع المنافاة بين الدعاء والرضا بقضاء اللّه وأمّا ما قيل من أنّه : ثبت بشواهد العقل والأخبار الصّحيحة أنّ الرّضا بقضاء اللّه من أجلّ مقامات الصّدّيقين وأعلاها ، والدّعاء مناف للرّضا ، حيث إنّ فيه ترجيح مراد النّفس على مراد اللّه ، وطلب حظوظ البشريّة . ففيه : أنّ الدّعاء إظهار لجهة العبوديّة من الحاجة والذّلّة والمسكنة مع الرّضا بقضاء اللّه وقدره لعدم المنافاة بينهما ، وذلك من أعظم مقامات الأولياء ، بل الآيات والأخبار المتواترة ناصّة على كونه من أفضل العبادات ، بل في تركه مظنّة الاستكبار ، ولذا قال سبحانه : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ « 4 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 187 ] أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 187 )

--> ( 1 ) . تفسير الصافي 1 : 204 . ( 2 ) . البقرة : 2 / 40 . ( 3 ) . تفسير القمي 1 : 46 ، تفسير الصافي 1 : 205 . ( 4 ) . غافر : 40 / 60 .