الشيخ محمد النهاوندي

371

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

في حكمة تشريع السعي قيل في حكمة تشريع السّعي : أنّه لمّا اشتدّ العطش على هاجر وابنها إسماعيل ، سعت بين الصّفا والمروة لطلب الماء ، فأغاثها اللّه بالماء الذي أنبعه من زمزم ، فأمر اللّه الخلق بالسّعي بين الصّفا والمروة ليتذكّروا هذه القصّة ، ويعلموا أنّ اللّه وإن كان لا يخلي أولياءه في دار الدّنيا عن المحن والبلايا ، إلّا أنّ فرجه قريب ممّن دعاه ، فإنّه غياث المستغيثين . فانظر إلى حال هاجر وإسماعيل كيف أغاثهما اللّه ، ثمّ جعل أفعالهما طاعة لجميع المكلّفين إلى يوم القيامة ليعلموا أنّ اللّه لا يضيع أجر المحسنين . وقيل : إنّ ذلك تحقيق لما أخبر اللّه تعالى به قبل ذلك من أنّه يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع إلى آخره ، فمن صبر على ذلك نال السّعادة في الدّارين ، وفاز بالمقصد الأعلى في المنزلين « 1 » . عن الصادق عليه السّلام : « جعل السّعي بين الصّفا والمروة مذلّة للجبارين » « 2 » . قيل : في إيراد التطّوّف الذي هو من باب التفعّل إشعار بأنّ من حقّ السّاعي أن يتحمّل الكلفة في السّعي ويبذل جهده فيه « 3 » . وَمَنْ تَطَوَّعَ وتبرّع بفعل المستحبّات أو أتى بالطّوع والرّغبة عملا خَيْراً من الخيرات من السّعي الزائد على القدر الواجب ، أو غيره من سائر الصّالحات فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ له ، مجاز على عمله . وفي التعبير عن الجزاء بالشّكر اشعار بكمال اللّطف بعبيده عَلِيمٌ بعمله وحسن نيّته ومقدار جزائه ، فلا يمكن أن يبخس منه شيئا . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 159 إلى 160 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( 159 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) ثمّ أنّه تعالى بعد ما بيّن عدّة من الأحكام ، حذّر النّاس عن كتمانها وكتمان كلّ حقّ بقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ويخفون عن تعمّد وعناد ما أَنْزَلْنا مِنَ الآيات الْبَيِّناتِ وَ البراهين الموضّحات لأمر محمّد صلّى اللّه عليه وآله وصحّة دينه ، ومن الْهُدى والرّشاد إلى كلّ حقّ وصواب .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 4 : 158 . ( 2 ) . الكافي 4 : 434 / 5 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 1 : 181 ، تفسير روح البيان 1 : 263 .