الشيخ محمد النهاوندي

359

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وعن القمي رحمه اللّه : إنّ ( إلّا ) هاهنا بمعنى ولا « 1 » . فَلا تَخْشَوْهُمْ ولا تخافوا من طعنهم عليكم ، فإنّه لا يضرّكم شيئا وَاخْشَوْنِي في مخالفة أمري ، واحذروا عقابي في عدو لكم عمّا ألزمتكم عليه من التّوجه إلى بيتي . ثمّ ذكر لتحويل القبلة علّة ثانية بقوله : وَلِأُتِمَّ بالتّحويل نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ حيث وجّهتكم إلى القبلة الوسط بعد ما أنعمت عليكم بنبيّ وسط ، وجعلتكم امّة وسطا . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « تمام النعمة دخول الجنّة » « 2 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « تمام النعمة الموت على الإسلام » « 3 » . أقول : أتمّ النعم نعمة الولاية ، حيث قال اللّه تعالى : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي « 4 » والتلازم بين دخول الجنّة والاسلام الحقيقي والولاية واضح ، وأمر القبلة بعض متمّمات النعم . قيل : إنّ المسلمين كانوا يفتخرون باتّباع إبراهيم عليه السّلام أصولا وفروعا ، فلّما أمروا بالتوجّه إلى بيت المقدس حصل الإنكسار والضّعف فيهم والتكدّر في قلوبهم ، ولذلك كان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يحبّ التحوّل إلى الكعبة ، فبالتّحويل تمّت النعمة بالنّسبة والإضافة « 5 » . ثمّ ذكر اللّه تعالى العلّة الثالثة بقوله : وَلَعَلَّكُمْ بالاهتداء إلى التّوجّه إلى الكعبة تَهْتَدُونَ إلى ما فيه خيركم وصلاحكم وحسن عاقبتكم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 151 إلى 152 ] كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 ) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) ثمّ أنّه تعالى بعد ما ذكر أنّ في تغيير القبلة إتمام النعمة ، بيّن أنّه في التماميّة كإرسال الرّسول بقوله : كَما أتممنا عليكم النعمة حيث أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا عظيم الشأن كائنا مِنْكُمْ جنسا ونسبا حتّى يكون لكم شرفا ، وهو يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا الدالّة على نبوّته التي هي مبدأ جميع الخيرات الدنيويّة والأخرويّة .

--> ( 1 ) . تفسير القمي 1 : 63 ، تفسير الصافي 1 : 184 . ( 2 ) . كنز العمال 2 : 17 / 2965 ، تفسير الصافي 1 : 184 . ( 3 ) . تفسير الرازي 4 : 141 ، تفسير الصافي 1 : 184 . ( 4 ) . المائدة : 5 / 3 . ( 5 ) . تفسير الرازي 4 : 141 .