الشيخ محمد النهاوندي

358

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

منها : أنّ في الآية الأولى - وهي قوله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ « 1 » - بيان حكم أهل المسجد ، وفي الآية الثانية بيان حكم أهل المدينة ، وفي الثالثة بيان حكم من كان في خارج المدينة وأقطار العالم . ومنها : أنّ المرّة الأولى توطئة لبيان أنّ أهل الكتاب يعلمون أنّ أمر نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وأمر القبلة حقّ . والمرّة الثانية لبيان أنّ اللّه يعلم أنّه الحقّ ، والمرّة الثالثة لبيان ذكر علله ، فلاختلاف الفوائد حسن التكرار . ومنها : أنّ في المرّة الأولى بيان حكم القبلة ، وفي الثانية التّنبيه على أنّه ليس لمحض رضاك بغير ملاحظة صلاح فيه ، بل لعلم اللّه بأنّه الحقّ وذو صلاح تامّ . وفي الثالثة بيان دوام هذا الحكم ، بحيث لا يتطرّق إليه النّسخ . وقيل : إنّ في المرّة الأولى إشارة إلى أنّ أحد علل التّحويل حبّ النبي صلّى اللّه عليه وآله إيّاها من حيث إنّها قبلة إبراهيم عليه السّلام وأشرف بقاع الأرض ، ومورد توجّه العرب . وفي الثانية إشعار بأنّ لكلّ صاحب دعوة وشريعة قبلة مخصوصة ، فاختار اللّه لهذه الأمّة التي هي أفضل الأمم أشرف البقاع والجهات . وفي الثالثة دلالة على أنّ فيه قطع حجج اليهود والمشركين « 2 » حيث قال : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ من المشركين واليهود عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ واعتراض ، حيث إنّ مشركي العرب كانوا يقولون إنّ محمّدا ليس على ملّة إبراهيم عليه السّلام إذ قبلة إبراهيم عليه السّلام بيت الكعبة وقبلة محمّد بيت المقدس ، وإنّ اليهود كانوا يقولون : إنّ النبيّ الموعود من صفاته أنّه يصلّي إلى الكعبة بعد أن كان يصلّي إلى الصّخرة ، فلو دمتم على الصّلاة إلى بيت المقدس صرتم ملزمين بحجّة الفريقين . وكان يقع الطعن في نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله ودينه ، فبتغيير القبلة انقطعت مقالات النّاس « 3 » . إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أنفسهم وعاندوا الدّين الحقّ من مشركي العرب الذين يقولون : بدا لمحمّد فرجع إلى قبلة آبائه ، فيوشك أن يرجع إلى دينهم . ومن اليهود الذين يقولون : إنّ محمّدا ما ترك قبلتنا إلّا حبّا لبلده ، وميلا إلى دين قومه ، ولو كان على الحقّ للزم قبلة الأنبياء ولم يعرض عنها . ومن الواضح أنّ هذه الأباطيل غير لائقة للجواب ، وإطلاق الحجّة عليها تهكّم أو جري على اعتقادهم حيث إنّهم يسوقونها مساقها .

--> ( 1 ) . البقرة : 2 / 144 . ( 2 ) . تفسير الرازي 4 : 137 . ( 3 ) . تفسير الرازي 4 : 139 .